Article image
مصدر الصورة: دامون كولتر/ صور سوبا/ سيبا الولايات المتحدة عبر وكالة أسوشيتد برس



رغم أن الإصابات بكوفيد-19 في الأولمبياد ستكون حتمية، إلا أن المباريات ستجري على أي حال. ويأمل المنظمون ألا تتزايد أعداد الحالات بشكل مفاجئ.

بقلم

2021-07-25 12:47:37

25 يوليو 2021

كان الليل قد خيم على محافظة إيباراكي في اليابان عندما مرت الشعلة الأولمبية في الشوارع. ويُظهر مقطع فيديو منتشر حامل الشعلة وهو يهرول ببطء وسط المتفرجين الذين يصطفون على جانبي الطريق. وفجأة تظهر امرأة من بين الحشود، وتبدأ في إطلاق المياه على الشعلة من مسدس مياه تحمله.

وبينما كان أفراد الأمن يندفعون نحوها، كانت تصرخ: “أطفأوا الشعلة الأولمبية! عارضوا أولمبياد طوكيو!”.

هذه هي الخلفية التي ستجري في ظلالها الألعاب الأولمبية والبارالمبية، التي بدأت يوم 23 يوليو الجاري في العاصمة اليابانية طوكيو، التي دفع تزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا فيها إلى إعلان حالة الطوارئ الرابعة منذ بداية الجائحة. ويثير تزايد عدد الحالات القلق بصفة خاصة لأن معدل تلقي اللقاح في البلاد لا يزال منخفضاً؛ حيث لم يتلقَّ سوى 18٪ فقط من سكان اليابان اللقاح بشكل كامل.

ومع ذلك، فإن اللجنة الأولمبية الدولية تضغط لإتمام الدورة؛ فالتكاليف التي تم إنفاقها بالفعل والتي تقدر بمليارات الدولارات مهددة بالضياع -تكلف إستاد طوكيو الأولمبي وحده 1.4 مليار دولار- علاوة على مليارات أخرى من العائدات المحتملة للجنة الأولمبية الدولية واليابان والهيئات التنظيمية المحلية وهيئات البث.

وفي وسط أزمة صحية عالمية لم تنتهِ بعد، وكمية مذهلة من الأموال، وحكومة عازمة على جعل مقامرتها تؤتي ثمارها، بات تصادم القوى في طوكيو غير مسبوق. وحتى مع فرض قواعد جديدة صارمة أثناء دورة الألعاب، يخشى الخبراء من إمكانية تفاقم جائحة كوفيد-19 في اليابان.

الحفاظ على سلامة الرياضيين

من المتوقع أن يدخل ما يقرب من 100 ألف شخص، من الرياضيين والموظفين وأفراد أسرهم وغيرهم، إلى اليابان للمشاركة في الألعاب الأولمبية والبارالمبية. وتقول الهيئات التنظيمية إنها تبذل قصارى جهدها للحفاظ على سلامتهم.

ويقر بهذه المخاوف بريان مكلوسكي، الذي يرأس لجنة مستقلة تقدم المشورة للجنة الأولمبية الدولية بشأن تدابير التخفيف من وطأة كوفيد-19 خلال أولمبياد طوكيو. ويوضح أنه للحد من خطر انتشار الفيروس، سيتم مراقبة الرياضيين والموظفين وغيرهم عن كثب.

ويقول مكلوسكي إن “الهدف ليس منع وجود فيروس كورونا في طوكيو، وإنما منع تحول الحالات الفردية إلى تجمعات ومنع الأحداث التي تساعد على انتشار الفيروس”.

ستُجرى الاختبارات للرياضيين والموظفين والمسؤولين على فترات زمنية مختلفة خلال الألعاب. على سبيل المثال، سيخضع المقيمين في القرية الأولمبية للاختبارات كل يوم، بينما ستُجرى الاختبارات للعمال اليابانيين الذين سيكونون على اتصال وثيق بالرياضيين بوتيرة أعلى مقارنة بالأشخاص الذين ينظمون حركة المرور. ويقول مكلوسكي إنه سيتم استخدام نظام لتتبع الاحتكاك في القرية الأولمبية، للمساعدة في احتواء أي حالات تظهر. وسيُطلب من أي شخص يدخل اليابان تحميل تطبيق لتتبع الاحتكاك، كما طُلب من الرياضيين والعاملين في وسائل الإعلام تشغيل تتبع نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على هواتفهم. وتقول الهيئات التنظيمية إن بيانات الموقع لن تُستخدم إلا إذا كانت هناك حالات إصابة بكوفيد.

“الأمر لا يقتصر على الحدث نفسه، وإنما يمتد إلى كل شيء آخر مرتبط به: الفنادق والمطاعم ووسائل النقل”.
– لينزي مار، أستاذة في جامعة فرجينيا للتقنية

وقبيل بدء الدورة، ازدادت التدابير صرامة. فبعدما تم حظر دخول الجماهير القادمة من الدول الأخرى قبل أشهر، تم الإعلان في وقت سابق من هذا الشهر أنه لن يُسمح بتواجد أي جماهير على الإطلاق في الملاعب الموجودة في طوكيو وما حولها.

وقال مكلوسكي إن هناك سابقة لإقامة الألعاب في خضم وجود تهديد على الصحة العامة، حتى ولو لم يكن هذا التهديد بنفس مستوى جائحة كوفيد. وأوضح أنه عندما كان يقدم المشورة للجنة الأولمبية الدولية في أولمبياد لندن 2012، بحثت الهيئات التنظيمية إمكانية حدوث جائحة سارس. وقبل دورة ألعاب 2016 التي أُقيمت في ريو دي جانيرو بالبرازيل، ثارت مخاوف بشأن فيروس زيكا (قالت منظمة الصحة العالمية، في وقت لاحق، إنه لم يتم الإبلاغ عن أي حالات إصابة بين الرياضيين أو المتفرجين).

وبالنسبة لأولمبياد طوكيو، أصدرت اللجنة الأولمبية الدولية العديد من “كتيبات” التعليمات للرياضيين والموظفين والمتطوعين والعاملين بالصحافة.

ولكن على الرغم من تلك القواعد الصارمة، ستشهد دورة الألعاب حتماً اختلاطاً وتفاعلاً بين الناس بطرق لم تكن لتحدث لولا إقامتها. وقد تم الإبلاغ بالفعل عن وجود حالات إصابة قبل أسابيع من حفل الافتتاح.

وتقول لينزي مار، أستاذة الهندسة المدنية والبيئية في جامعة فرجينيا للتقنية، والخبيرة البارزة في مجال انتقال الفيروسات عبر الهواء، إن “الأمر لا يقتصر على الحدث نفسه، وإنما يمتد إلى كل شيء آخر مرتبط به: الفنادق والمطاعم ووسائل النقل”.

وبالرغم من أن كتيبات التعليمات تشدد على التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، إلا أن مار تشير إلى وجبات الطعام باعتبارها أحد البيئات التي لا تتطابق فيها الإرشادات مع العلم. وتقول اللجنة الأولمبية الدولية إنها ستقلل عدد المقاعد في كافتيريا القرية الأولمبية، وستقدم تحديثات حول الاكتظاظ داخلها من خلال أحد التطبيقات، وستبقي الحواجز البلاستيكية بين المقاعد.

وتضيف مار: “حدثت الكثير من حالات التفشي في المطاعم ذات الحواجز البلاستيكية. وأفضل شيء يمكن القيام به هو تناول الطعام في الخارج فقط”.

تأثير مضاعف

يقول الخبراء إنه بالرغم من جميع الجهود المبذولة، إلا أن الألعاب الأولمبية قد يكون لها تأثير مضاعف على حالات الإصابة بفيروس كورونا في البلاد. وعلى الرغم من أن حالة الطوارئ سارية في طوكيو، إلا أن هذا لا يعني إغلاق جميع المدارس والمطاعم وغيرها من الأماكن العامة بشكل شامل، وإنما يعني بصفة أساسية الطلب من الأشخاص تجنب الرحلات غير الضرورية، ولا توجد عقوبات أو آليات لتطبيق حالة الطوارئ هذه. 

من جانبها، تقول شيهوكو جوتو، نائبة مدير قسم الاقتصاد الجغرافي في مركز أبحاث ويلسون، الذي يتخذ من العاصمة الأميركية واشنطن مقراً له: إن حدوث زيادة مفاجئة في حالات العدوى في دولة ما بسبب الحياة اليومية أمر، وعندما تعرف أن ثمة خطراً هائلاً بسبب إقامة أحداث ضخمة متعددة -على نحو يشجع الناس داخل البلد على التجمع ويجذب أيضاً أشخاصاً من الخارج- هو أمر آخر”.

ويضغط سكان اليابان -مثل المتظاهرة التي كانت تحمل مسدس المياه- بشكل متزايد في الاتجاه المعاكس؛ ففي مايو الماضي، ومع ارتفاع حالات الإصابة بعدوى كوفيد-19، نشرت مجموعة تمثل 6,000 طبيب في طوكيو خطاباً يطالب بإلغاء الألعاب الأولمبية، قائلين إن النظام الطبي في المدينة لا يستطيع التعامل مع تدفق المرضى. كما تظهر بعض استطلاعات الرأي أن أكثر من 80٪ من اليابانيين لا يريدون إقامة دورة الألعاب على الإطلاق.

كما أن هيتوشي أوشيتاني أستاذ علم الفيروسات بجامعة توهوكو -ومبتكر النهج الثلاثي في البلاد: تجنب الأماكن المغلقة، والحشود، والاتصالات الوثيقة- يقول إن موقع إقامة الألعاب داخل اليابان محفوف بالمخاطر بشكل خاص؛ لأنه “في جميع الموجات السابقة، دون استثناء، انتشر الفيروس من طوكيو إلى باقي أنحاء البلاد”.

ويشير إلى أنه بينما يتم حظر المتفرجين في طوكيو والمحافظات المجاورة، فإن هناك مواقع أخرى في محافظات مياجي وشيزوكا ستستقبلهم، بما فيهم الموظفين والمتطوعين القادمين من طوكيو.

وبالرغم من أن اللجنة الأولمبية الدولية لا تشترط تلقي المسافرين الأولمبيين اللقاح، يقول مكلوسكي إنه يتوقع -بحسب البيانات التي قدمتها اللجنة الأولمبية في كل دولة- أن 85٪ من أعضاء الوفود الوطنية قد تلقوا اللقاح. بيد أن انخفاض معدل التطعيم في البلاد يثير المخاوف، فقد كان برنامج اليابان للقاحات خاملاً لعدة أشهر في الوقت الذي كانت فيه الدول الأخرى تعطي جرعات اللقاح لسكانها. ويقول أوشيتاني إن العديد من كبار السن لم يتلقوا جرعتهم الثانية بعد، وهو ما يهيئ ظروفاً مواتية لانتشار الفيروس.

ويضيف: “نلاحظ وجود أعداد متزايدة من حالات العدوى الشديدة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاماً في طوكيو، ومعظم هؤلاء لم يتلقوا اللقاح بالكامل”.

حكومة “مستعدة للمراهنة”

إذن، لماذا تستضيف دورة الألعاب أصلاً؟ لماذا لا تلغيها؟ أورد تحليل نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن البند الخاص بالإلغاء في العقد المبرم بين اللجنة الأولمبية الدولية وطوكيو يذكر أن اللجنة الأولمبية الدولية هي الجهة الوحيدة التي لديها القدرة على الإلغاء (مع أن اليابان يمكنها نظرياً فسخ العقد). وبالإضافة إلى احتمال خسارة الأموال، يتعلق الأمر بنشر صورة معينة على الصعيد العالمي.

وتقول جوتو، التي تعمل في مركز ويلسون، إن اليابان تستثمر في “القوة الناعمة” التي سيولدها نجاحها في تنظيم أول حدث دولي ضخم في عالم ما بعد فيروس كورونا، ناهيك عن أن إقامة الألعاب الأولمبية بنجاح يمكن أن يمثل هدية للحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم، في الانتخابات المقرر إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام.

وتضيف: “هذا هو السيناريو الأفضل الذي تستعد الحكومة للمراهنة عليه”.

ومع ذلك، فقد تبين أن الألعاب الأولمبية تشكل عبئاً كبيراً على المدن التي استضافتها سابقاً، سواء مع وجود الجائحة أو من دونها. ومع كل تلك الأنظار الموجهة إلى أولمبياد طوكيو، تتساءل جوتو عما إذا كان الحماس لاستضافة الألعاب الأولمبية سيفتر خلال الأعوام المقبلة. وتشير إلى أنه من المرجح أن تظل الدول النامية تنظر إلى إقامة الألعاب باعتبارها فرصة لتسليط الأضواء عليها، إلا أن الدول الأخرى قد تصبح أكثر تردداً.

وتقول: “عندما تصبح اقتصاداً متطوراً، ستصبح هناك حدود لما ستفعله الألعاب الأولمبية فعلياً لزيادة الاستهلاك وتعزيز الإنفاق على البنية التحتية وحشد المزيد من الحماس الوطني”، متسائلة: “ما هي التكاليف والفوائد المترتبة على تنظيم هذه الدورات؟”.

تمثل هذه المقالة جزءاً من مشروع تكنولوجيا الجائحة، الذي تدعمه مؤسسة روكفيلر.