Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | جيتي، المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض



حالات العدوى بعد اللقاح نادرة للغاية. ولكن يمكن للباحثين عبر تتبعها الكشف عن السلالات الفيروسية التي تتمكن من تفادي الاستجابة المناعية.

2021-05-09 23:21:58

09 مايو 2021

تم حتى الآن إعطاء لقاح كوفيد-19 بشكل كامل إلى عشرات ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة. يرى هؤلاء الأشخاص أصدقاءهم ويتناولون الطعام في الخارج، وفي حالات نادرة، يصابون بالعدوى.

لكن لا داعي للذعر، فهذا النوع من “الإصابة بالعدوى بعد اللقاح” متوقع الحدوث تماماً مع أي عملية طرح شاملة لأي لقاح.

ووفقاً لأرقام جديدة أصدرتها المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، فقد تم إعطاء اللقاح إلى أكثر من 87 مليون شخص في الولايات المتحدة حتى 20 أبريل. ومن بين هؤلاء، أصيب 7,157 شخصاً، أي 0.008%، بفيروس كورونا. من المرجح أن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك بقليل لأن حالات العدوى الخفيفة أو غير المصحوبة بأعراض قد لا يتم الإبلاغ عنها أو الانتباه لها. لكن البيانات لا تزال مشجعة. فلم يصب بالعدوى سوى جزء ضئيل من الأشخاص الذين أخذوا اللقاح، ولم يتعرض للمرض الشديد إلا نسبة أصغر حتى، حيث دخل 331 شخصاً فقط إلى المستشفى وتوفي 77 شخصاً بسبب مرض كوفيد-19.

تظهر الدراسات الجديدة التي نُشرت مؤخراً أن هذه الإصابات بعد اللقاح نادرة حتى في الأوساط عالية الخطورة مثل دور رعاية المسنين. وعندما تحدث الإصابات، تميل الأعراض إلى أن تكون غير ظاهرة أو خفيفة. علاوة على ذلك، فإن الأفراد الذين أخذوا اللقاح وأصيبوا بالعدوى يكون لديهم الحِمل الفيروسي أقل من الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح، ما يعني أنهم يكونون أقل عرضة لنقل الفيروس.

ومع ذلك، فمن المهم الاستمرار في مراقبة الإصابات التي تحدث بعد اللقاح. تعمل جميع لقاحات كوفيد-19 الحالية على تنشيط الجهاز المناعي ليتعرّف على البروتينات الناتئة الموجودة على سطح الفيروس، بحيث يتمكن من مكافحة الفيروس الحقيقي بسرعة عندما يواجهه. ولكن إذا لم يُبدِ الجسم استجابة مناعية قوية للقاح، فلن يكون مستعداً لمكافحة الفيروس. وفي حالات أخرى، ربما يكون الفيروس قد تطور بدرجة كافية لتفادي الاستجابة المناعية للجسم، ولا يكون اللقاح فعالاً أيضاً. وهذا ما يسمى بتفادي المناعة.

ويخشى بعض الباحثين الذين يدرسون فيروس كورونا من أن استمرار انتشار الفيروس بهذا الحجم على مستوى العالم سيؤدي إلى منحه الكثير من الفرص ليتعرض لمجموعة من الطفرات تسمح له بتفادي الاستجابة المناعية التي يحفزها اللقاح. يمكن أن يساعد تتبع الإصابات التي تحدث بعد اللقاح في الكشف عن السلالات الجديدة المثيرة للقلق وتحديد متى تصبح اللقاحات أقل فعالية. قد يساعد ذلك في تحديد متى يلزم إعطاء جرعات معززة أو قد يشير إلى تصاميم أكثر فعالية للقاح.

الأوساط عالية الخطورة

كان الأشخاص الذين يعملون في دور رعاية المسنين ويعيشون فيها من بين أوائل من حصلوا على لقاح كوفيد-19، ومن بعض من أوائل المستفيدين منه. فبين أواخر ديسمبر وأواخر مارس، انخفض عدد الحالات في هذه الدور بنسبة 96%. تُعد دور رعاية المسنين أماكن مثالية لانتشار الفيروسات وإحداث ضرر، وقد لا تكون فعالية اللقاحات جيدة لأن الاستجابة المناعية لأجسام كبار السن عادةً ما تكون أضعف. ويمكن لانتشار الأنفلونزا حتى أن يكون مميتاً في هذه الدور. لكن المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها وجدت القليل من حالات الإصابة بمرض كوفيد-19 بعد اللقاح.

ففي إحدى الدراسات، قام الباحثون بتحليل حالات الإصابة بالعدوى في 78 داراً لرعاية المسنين في شيكاغو لدى ما يقرب من 8,000 مقيم و7,000 موظف أخذوا اللقاح. ووجدوا أكثر من 600 إصابة بفيروس كورونا، لكن 22 إصابة منها فقط حدثت لدى أشخاص تلقوا اللقاح بالكامل، وكانت 12 حالة منها لدى المقيمين و10 لدى الموظفين. ولم تظهر أعراض على 14 شخصاً منهم، بينما ظهرت أعراض خفيفة فقط لدى 5 أشخاص. وعندما فحص الفريق عينات مأخوذة من سبعة أشخاص أصيبوا بالعدوى بعد أخذ اللقاح، وجدوا مستويات منخفضة من الفيروس. ولم تؤدِّ أي من تلك الإصابات الأولية إلى حالات إصابة أخرى، ما يشير إلى أن الأشخاص الذين أخذوا اللقاح لم ينشروا الفيروس.

عندما يحدث تفشي الوباء، تظل اللقاحات توفر حماية جيدة. قامت دراسة ثانية لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بدراسة تفشي الوباء في دار لرعاية المسنين في كنتاكي لم يحصل فيها سوى نصف الموظفين فقط على اللقاح. أدى تفشي الوباء -الذي بدأ من أحد الموظفين الذين لم يتلقوا اللقاح- إلى 46 إصابة بفيروس كورونا. ومن بين 71 شخصاً أخذوا اللقاح، أصيب 18 شخصاً (25%) بالعدوى ودخل اثنان إلى المستشفى وتوفي شخص واحد. وكان وضع الموظفين أفضل. فمن بين 56 موظفاً أخذوا اللقاح، أصيب أربعة (7%) بالعدوى. كانت معظم هذه الحالات دون أعراض. ظهرت الأعراض على 6.3% فقط من المقيمين والموظفين الذين أخذوا اللقاح، بالمقارنة مع 32% من الأفراد الذي لم يحصلوا عليه.

أثناء تفشي الفيروس في دور رعاية المسنين، “يتعرض الموظفون والمقيمون بشكل مستمر ومتكرر لفيروس كورونا”، كما تقول ميغان فيتزباتريك، التي تقوم بإعداد نماذج للأمراض المُعدية في كلية الطب بجامعة ميريلاند. ولذلك فمن المشجع أن نشهد مثل هذا العدد القليل من الإصابات في هذا النوع من الأماكن.

تتبع السلالات الجديدة

تشير الدراسات الجديدة أيضاً إلى أن السلالات الطافرة قد تكون مسؤولة عن بعض هذه الإصابات التي تحدث بعد اللقاح. وقال أنتوني فوسي، كبير المستشارين الطبيين لرئيس الولايات المتحدة، في 12 أبريل، إن السلالات الفيروسية هي “أحد العوامل الرئيسية”. وعلى الرغم من قلة البيانات المأخوذة من المرضى، إلا أن الدراسات المختبرية تشير إلى أن بعض السلالات على الأقل هي أقل عرضة للتأثر بالأجسام المضادة التي يحفزها اللقاح بالمقارنة مع فيروس كورونا الأصلي.

في دراسة كنتاكي، وجد الباحثون أن تفشي المرض كان بسبب نمط طافر معروف باسم R1، الذي لم يتم الكشف عنه مسبقاً في الولاية. تعرض هذا الفيروس إلى العديد من الطفرات الهامة التي تم الكشف عنها أيضاً في السلالات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يبدو أن طفرة E484K، الموجودة أيضاً في السلالة B.1.351 التي تم الكشف عنها لأول مرة في جنوب أفريقيا، تساعد الفيروس على تفادي استجابة الأجسام المضادة. وقد تزيد طفرة D614G من قابلية الانتقال. ولاحظ المؤلفون أنه على الرغم من أن اللقاح يقلل من احتمالية الإصابة بالعدوى وظهور الأعراض، إلا أن الفيروس تمكّن من إصابة أكثر من ربع المقيمين الذين أخذوا اللقاح وحوالي 7% من الموظفين. يشير ذلك إلى أن اللقاح قد لا يكون فعالاً مع هذه السلالة، لكن المؤلفين حذروا من أن الدراسة كانت صغيرة. (لم يقم المؤلفون في دراسة شيكاغو بإجراء تسلسل للفيروس).

وقامت دراسة نشرت في مجلة نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين بتتبع الإصابات لدى الموظفين بجامعة روكفلر في نيويورك. اختبر الباحثون بين 21 يناير و17 مارس 417 موظفاً تلقوا جرعتين من لقاح فايزر أو مودرنا. وكانت نتيجة الاختبار لدى امرأتين إيجابية. عندما قام الباحثون بإجراء تسلسل للفيروس في الحالتين، وجدوا أن لكل منهما نمطاً يختلف عن الآخر قليلاً، ولم يكونا مطابقين تماماً لأي نمط تم الكشف عنه مسبقاً.

فعلى سبيل المثال، كان لدى إحداهن نمط فيروسي تعرض لطفرات موجودة في السلالة B.1.1.7 التي ظهرت في المملكة المتحدة، إلى جانب طفرات شائعة في السلالة B.1.526 التي ظهرت في مدينة نيويورك. ويقول روبرت دارنيل، الطبيب وعالم الكيمياء الحيوية في جامعة روكفلر والمؤلف الرئيسي للدراسة: “كان لدى المريضة أنماط فيروسية تقع بين النمطين نوعاً ما”.

يقول دارنيل إنه عندما تحدث إصابة بالعدوى بعد اللقاح، فمن المفترض أن المريض فشل في تشكيل استجابة مناعية قوية للقاح. لكن لا يبدو أن هذه الحالة تنطبق على المرأة المصابة. تمكّن دارنيل من الحصول على عينة دم بعد فترة وجيزة من نتيجة اختبارها الإيجابية. ووجد هو وزملاؤه مستويات عالية من الأجسام المضادة يمكنها إبطال تأثير فيروس كورونا. ولأنها أصيبت حديثاً بالعدوى، فمن المحتمل أن تكون استجابة الأجسام المضادة ناتجة عن اللقاح، وليس عن إصابتها الحديثة؛ إذ يستغرق تطوير الأجسام المضادة بعض الوقت.

ليس من الواضح تماماً سبب عدم قيام جهازها المناعي بحمايتها من العدوى، ولكن أحد الاحتمالات هو أن النمط الطافر نجح في تفادي استجابتها. يقول ستيفن كيسلر، عالم الأوبئة في كلية تي إتش تشان للصحة العامة بجامعة هارفارد: “بالنسبة لهذه المريضة بالذات، ربما يكون هذا هو التفسير الأفضل لما شهدناه”. ويضيف: “ليس من المستغرب بالنسبة لي أن السلالات الجديدة هي وراء الكثير من هذه الإصابات التي نشهد حدوثها بعد اللقاحات. يصبح هناك ضغط انتقائي تطوري”، كلما أعطي اللقاح إلى عدد أكبر من الناس.

من ناحية أخرى، كلما زاد عدد الأشخاص الذين تلقوا اللقاح، سنشهد عدداً أقل من الإصابات وسيكون للفيروس فرص أقل للتعرض لطفرات. وتشير فيتزباتريك إلى أنه حتى لو كان تفادي المناعة هو الذي يفسر إصابة المريضة بالعدوى، فهذا الأمر لا يمثل سوى حالة واحدة. ولا يوجد دليل على أنها نقلت العدوى إلى أشخاص آخرين أخذوا اللقاح أيضاً. وتضيف بأن هذه الظاهرة جديرة بدراستها في الأبحاث المستقبلية، لكنها تقول: “لا أرى ذلك مثيراً للقلق بعد. لا توجد أزمة صحية عامة حتى الآن”.

وتقول مونيكا غاندي، طبيبة الأمراض المُعدية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، إنه حتى عند حدوث إصابات بعد اللقاح، فهذا لا يعني بالضرورة فشل اللقاح. فالأجسام المضادة ليست سوى جزء من الاستجابة المناعية؛ إذ تلعب الخلايا التائية دوراً كبيراً أيضاً، من خلال تحفيز أجزاء أخرى من الجهاز المناعي والقضاء على الفيروس بمجرد دخوله الجسم. فهي لا تمنع حدوث العدوى، لكن يمكنها تثبيط انتشار الفيروس. وتشير بعض الأبحاث إلى أن تفادي استجابة الخلايا التائية في الجسم سيكون أكثر صعوبة. وتقول غاندي: “قد تصاب بالفعل بعدوى خفيفة، ولكن نأمل أن تظل تتمتع بالحماية من الإصابة بالحالة الشديدة من المرض”.

ومع ذلك، من المهم تتبع الإصابات التي تحدث بعد اللقاح للبحث عن التغيرات غير المتوقعة. إن ارتفاع عدد الإصابات لدى الأشخاص الذين أخذوا اللقاح قد يعني تلاشي المناعة أو ظهور سلالة جديدة يمكنها تفادي الاستجابة المناعية. قد يلزم تعديل اللقاحات، وقد نحتاج إلى أخذ جرعات معززة. ويقول كيسلر بأنه مع مرور الوقت: “ستطور أجسامنا استجابة مناعية أكثر اكتمالاً. وحتى إذا أصبنا بالعدوى مرة أخرى، فسنتمتع بالحماية من الإصابة بالحالات الأشد خطورة. تعدّ النتائج المتوقعة جيدة على المدى الطويل”.