Article image
دانييل إيك (على اليمين) وريد هايستينجز (على اليسار).
مصدر الصورة: إرنستو روسيو/ صور جيتي لنتفليكس (هايستينجز)، ودرو أنجيرير/ صور جيتي (إيك)
Article image دانييل إيك (على اليمين) وريد هايستينجز (على اليسار).
مصدر الصورة: إرنستو روسيو/ صور جيتي لنتفليكس (هايستينجز)، ودرو أنجيرير/ صور جيتي (إيك)

الذكاء الاصطناعي

أصبحت الخوارزميات أكثر أهمية من ذي قبل، ولكن استغلال قدراتها إلى أقصى حد يعد معركة لا تنتهي، وتبقى البشرية هي محور اهتمام كل شركة.

في الشهر المنصرم، قامت نتفليكس -وبكل هدوء- بحذف كل ما تبقى من تقييمات المستخدمين على خدمتها. وهكذا استكمل ريد هايستينجز (المدير التنفيذي لنتفليكس) أحدث نقلة في إستراتيجية الشركة دائمة التطور، فقد قررت نتفليكس أن تبتعد عن حكمة الجماهير في اقتراحات المحتوى عليها، وتكتفي بحكمة الآلات. وحالياً تُمسك الخوارزميات بزمام الأمور في نتفليكس، شأنها شأن أغلب الشركات في هذا الاقتصاد.

وقد شهد العام الماضي تصاعداً في الإعجاب بالذكاء الاصطناعي، والخوف منه أيضاً، وأصبح هذا الطابع ميزة أساسية في الضربات التي بدأت تتلقاها شركات لم يكن أحد يجرؤ من قبل على الاقتراب منها (مثل فيسبوك وجوجل)، التي أصبحت الآن وقوداً لجلسات الاستجواب في الكونجرس والمقالات الصحافية الغاضبة. ولكن من جهة أخرى، أصبح الذكاء الاصطناعي أقوى محرك محتمل جديد لزيادة فعالية الشركات، وأداة أساسية تدعم الأفضلية التنافسية للشركات من أمازون إلى أكسنتشر.

وأصبحت نتائج الذكاء الاصطناعي وصعود الخوارزميات أكثر أهمية وعلاقة بالجميع، وأكثر تعقيداً من ذي قبل. ولم يعد من الممكن أن ننكر أن الموجة التقنية الجديدة أصبحت على وشك اكتساح كل شيء، وأنه لم يعد هناك مجال للتراجع.

وسواء كنت تدير شركة عامة كبيرة أو شركة ناشئة، وسواء كنت عضواً في الوسط الأكاديمي أو في عالم المؤسسات غير الربحية، وسواء كنت تشرف على فريق أو تُسهم في عمليات مؤسسة ما، يجب أن تستوعب تصاعد انتشار الذكاء الاصطناعي واستخدامه. وإليك فيما يلي خمسة دروس ذكرها الكاتب روبرت سافيان في مقال له على مجلة “فاست كومباني Fast Company“، وهي تلخِّص كيفية قيام الخوارزميات بإعادة تعريف الأعمال وقيادة الشركات، بما فيها الدرس الأكبر الذي يجب أن يتعلمه كلُّ قائد ورجل أعمال حتى يضمن الازدهار في هذه الحقبة.

1- سبوتيفاي: الالتزام بالخوارزمية

من مكان غير متوقع في ستوكهولم، تمكَّنت شركة البث الرقمي سبوتيفاي من إحداث نقلة كبيرة في صناعة الموسيقا على مستوى العالم، ولكن كيف؟ لقد أمضيتُ بعض الوقت مؤخراً في المقر الرئيسي لسبوتيفاي، إضافة إلى مكاتبها في نيويورك، للتعرف إلى قيادة الشركة. وقد ساهمت الكثير من العوامل في نجاح سبوتيفاي، ولكن أهمها كان التزام الشركة بالتكنولوجيا، والدليل الأبسط على هذا أن حوالي 40% من موظفيها مختصون فقط بالعمل الهندسي والبرمجي. وصحيح أن دانييل إيك (المدير التنفيذي للشركة) يحب الموسيقا -إلى درجة أنه أمضى سنة كاملة وهو يحاول أن يصبح عازف جيتار محترفاً- ولكنه أيضاً يفهم أن تميُّز سبوتيفاي يعود إلى طريقة تفاعل تقنياتها مع الموسيقا والفنانين والمستمعين. وهناك الكثير من الأغاني والكثير من الأذواق الموسيقية، لدرجة أنه يستحيل تصنيف جميع الخيارات وترتيبها بدون تقنيات برمجية متطورة.

وعندما التقيت تيم كوك (المدير التنفيذي لآبل) في وقت سابق من هذه السنة، انتقد هؤلاء الذين حوَّلوا الموسيقا إلى شيء يتمحور “حول البتات والبايتات” وفقاً لتعبيره. ولكن بفضل طبقة الخوارزميات في سبوتيفاي، وقدرتها البرمجية الإجمالية، أصبحت الشركة في القمة واكتسبت الأفضلية، حتى مع محاولة شركة آبل التنافس معها عن طريق تطبيق آبل ميوزيك الذي يخضع لإدارة يشارك فيها البشر على نطاق أوسع. وفي المحصلة، يبدو أن سبوتيفاي لم ترتكب خطأ فادحاً باعتمادها الكبير على التكنولوجيا، خصوصاً بعد أن حقَّقت قيمة سوقية تتجاوز 30 مليار دولار.

2- بايوهاب: تحويل عبء البيانات إلى فرصة

تقدِّر الكثير من المنظمات قوة البيانات، ولكن استخراج الفائدة من كميات هائلة من المعلومات ليس بالأمر السهل، وبدون وجود الأدوات اللازمة لوضع البيانات في سياقها الصحيح، فإن الحساسات والإحصاءات التي تجمع هذه البيانات تصبح بلا فائدة.

وقد اطلعتُ على تمثيل مرئي رائع لهذه الفكرة خلال زيارة قمت بها مؤخراً إلى مكتب ومختبر بايوهاب في سان فرانسيسكو، حيث عرض عليَّ جو ديريسي (وهو أحد مديري بايوهاب) صورةً التُقطت باستخدام مجهر جديد. وفي حين أن الكاميرا العادية تستخدم عدسة واحدة لتركيز الصورة، كما شرح ديريسي، يعتمد هذا المجهر على 22 عدسة، ويجب معايرة كل منها بدقة وفق علاقتها بالعدسات الأخرى ضمن عملية دقيقة يستحيل إنجازها دون مساعدة برمجية.

وشاركت قبل ذلك بيوم في اجتماع مجلس استشاري لمبادرة علمية بحثية هامة، وعلمت كيف يمكن الآن -بإجراء تجربة علمية واحدة على مدى يومين- أن نحصل على ملايين النتائج المفصَّلة، وذلك بفضل قدرتنا المتزايدة على توليد البيانات وجمعها، في حين أن الباحثين قد يحتاجون إلى تسعة أشهر على الأقل لفهم هذه البيانات. ولهذا يحاول الباحثون الأكاديميون الاعتماد على الخبرات الهندسية لكتابة خوارزميات يمكن أن تسرِّع من العمل؛ لأن فهم التجربة بسرعة يسمح بالانتقال إلى التجربة التالية وتحسينها للحصول على نتائج أفضل.

وتعتبر هذه الإمكانية صحيحة بالنسبة إلى أي مؤسسة حالياً، وليس فقط في مجال الأبحاث الطبية. وللمحافظة على الأفضلية التنافسية، يجب أن ندرس ونختبر ونتطور، فما كان يعتبر في البارحة قمةَ التطور، يتحول بسرعة إلى الحد الأدنى المطلوب للعمل، أي أن أعمدة المرمى تتحرك بشكل دائم وفقاً لتشبيه أحد المديرين التنفيذيين الذين التقيت بهم. وقد تكون الخوارزميات مركزية الأهمية بالنسبة لجميع مراحل عملية الاختبار والدراسة والتطور، ولكن مرحلة الدراسة -حيث يمكن أن تظهر الفرص بشكل فجائي- هي المرحلة التي تفشل فيها الكثير من العمليات أيضاً.

3- جولدمان ساكس: دعُوا القيادة للذكاء الاصطناعي…

منذ سنتين، قام بنك جولدمان ساكس الاستثماري في وول ستريت بإطلاق ماركوس، وهو بنك مخصص للعمليات المصرفية الفردية للزبائن من الأجيال الجديدة. وببناء منصة تقنية من الصفر، والاعتماد على تمويل كبير من جولدمان ساكس، تمكَّن ماركوس من تقديم معدلات عوائد أعلى وخدمات أفضل من الكثير من البنوك المنافسة التقليدية، ولكن تبيَّن أن هذه ليست سوى البداية؛ ففي الربيع المنصرم استحوذ ماركوس على كلاريتي موني، وهي منصة تفاعلية تعمل بالذكاء الاصطناعي، وستصبح مركز تجربة الزبائن مع ماركوس بمجرد أن تتم عملية تغيير علامتها التجارية.

ويبدو أن ماركوس لم يخشَ من إفساد بدايته القوية، بل يحاول تغيير نفسه باستمرار، واستكشاف الرؤى الممكنة للمراحل المقبلة من منتجاته. ويمثل هذا الأسلوب فرصة وخطراً في نفس الوقت بالنسبة للكثير من الشركات. ومع تحسن قدرات الذكاء الاصطناعي، هل أنت مستعد لتقبُّل إمكانياته الجديدة، أم أنك ستخاطر بالتخلي عن أفضلية التنافس لصالح لاعبين آخرين؟

4- فيسبوك: حافظي على هدوئك

تمكنت فيسبوك من استغلال فوائد الذكاء الاصطناعي والخوارزميات من ناحية السرعة والتوسع إلى حد كبير، ولكن السنة الماضية كشفت بعض المخاطر المرافقة لهذه الطريقة، حيث إن الشركة لم تقدِّر مدى المتاعب التي يمكن أن يتسبب فيها مَن يتلاعبون ببرمجياتها. فإذا خرجت نسبة 0.1% من أحذية أديداس من خط التصنيع وهي مصابة بمشكلة ما، يمكن للشركة أن تتخلى عنها، ولكن بالنسبة لفيسبوك -وبوجود ملياري مستخدم- يمكن أن تعني هذه النسبة وجود مليوني طرف خبيث حول العالم، وهي مشكلة لا يمكن احتمالها ببساطة.

وتبرهن لنا مشاكل فيسبوك أن أي قرار يتخذه رجال الأعمال سيؤدي إلى بعض النتائج غير المحسوبة، وإذا كانت هذه القرارات تحت إشراف الذكاء الاصطناعي، فقد لا تظهر هذه النتائج في البداية، وكلما زاد الاعتماد على الآلة، يصبح تحديد المشاكل وإصلاحها أكثر صعوبة. ولهذا تظل الحاجة إلى الانتباه الدائم هامةً وضرورية، حتى لو وصلت حتمية الاعتماد على الخوارزميات إلى حد كبير للغاية.

ويعتقد بعض المراقبين أن الحكومة يجب أن تؤمِّن هذا النوع من الإشراف، وأنه يوجد توجُّه لدى الكونجرس الأميركي لاتخاذ بعض الإجراءات التنظيمية. غير أن تقدم التكنولوجيا يلقي على الشركات التقنية عبء ومسؤولية مراقبة خياراتها بنفسها بشكل أفضل، وعلى سبيل المثال فإن فيسبوك تبذل كل ما في وسعها للتعامل مع مشاكلها، وتخصِّص المزيد من الأشخاص -والمزيد من البرمجيات أيضاً- لسد الثغرات في بنيتها. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء قد لا يمنع من حتمية ظهور رقابة أو تدخل من الخارج، فإنه يظل هاماً على أي حال.

5- نايكي: احترام المعامل البشري

عندما اختارت نايكي أن تركز على كولين كايبرنيك (رياضي أميركي وناشط ضد التمييز العنصري) في الذكرى الثلاثين لحملة شعارها الشهير “just do it”، وأن تُطلق مجموعة من المنتجات باسمه، لم يكن هذا القرار صادراً عن حاسوب تُومض أضواؤه وهو يحسب محاسن هذه الفكرة ومساوئها، فعلى الرغم من قوة الخوارزميات -التي تستخدمها نايكي في كل شيء من التصنيع إلى التصميم والتسويق- إلا أنه لا يوجد برنامج حاسوبي قادر على اتخاذ القرارات الصعبة فعلاً، التي يتعرض لها الناس في الشركات يومياً. لقد اعتمد مارك باركر (المدير التنفيذي لنايكي) على غريزته وقلبه حتى يوافق على برنامج كايبرنيك، مسترشداً بحسه السليم حول موقع نايكي كعلامة تجارية وتوجهها في المستقبل.

ومن الحماقة ألا نعتنق المستقبل الذي يحمله الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، ولكننا أيضاً يجب أن نحافظ على التزامنا بالأقسام التي تحتاج إلى قيادة بشرية في المؤسسة، حتى أن نتفليكس -التي تعتمد على البرمجيات بشكل مكثف لتقترح البرامج على المشاهدين بناء على ما شاهدوه من قبل- تنفق مبالغ كبيرة على إنتاج هذه المسلسلات دون نتائج مضمونة بشكل أقرب إلى الرهان. وماذا لو كنت أرغب في مشاهدة شيء جديد تماماً؟ لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفكر في مسلسل جديد مثل “House of Cards”، ناهيك عن لعبة مثل “Fortnite”، التي حققت نجاحاً باهراً جذب الملايين من المعجبين اليافعين الذين يشاهد الكثير منهم فيديوهات اللعب على شبكة تويتش التابعة لأمازون بدلاً من البرامج والمسلسلات التقليدية.

وقد يتبين أن رهان نايكي على كايبرنيك مكلف أو مربح، ولكنه على أي حال اختيار نابع من هدف الشركة ومهمتها، ولا يمكن أبداً ترك مسألة اتخاذه لبرنامج حاسوبي. لقد شاركني أحد الزملاء هذه المقولة مؤخراً: يجب في المنظمة أن نسند كل شيء يمكن أن تفعله الآلات إلى الآلات، وهو أمر صحيح من ناحية الفعالية، ولكن -وبشكل مماثل- يجب أن نسند إلى البشر كل ما يجب على البشر فعله. إذن فالصفات المميزة للمنظمة -وهي التي تتضمن الأخلاق والأحكام والإبداع والتعاطف- تتطلب لمسة بشرية، ولا يمكننا أن ننسى هذا، مهما قالت لنا الخوارزميات.

المزيد من المقالات حول الذكاء الاصطناعي

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!