Article image
مصدر الصورة: إم زد تك



وعد جيسون كيلي بثورة تصنيعية في مجال الحمض النووي. لكن دون مطالبته بصنع أي منتجات.

2021-09-08 10:00:33

08 سبتمبر 2021

حققت شركة الهندسة الجينية جينكو بيو ووركس (Ginkgo Bioworks) -التي تتخذ من بوسطن مقراً لها- ورئيسُها التنفيذي جيسون كيلي نجاحاً مذهلاً في التسويق لفكرة أن البيولوجيا التركيبية ستحدث تحوّلاً في صناعة المنتجات المادية. ويقول كيلي إن ما قامت به أجهزة الكمبيوتر في مجال المعلومات، ستقوم به البيولوجيا في المجال المادي. فبدلاً من صنع مادة كيميائية من البترول، لماذا لا تقوم “منشأة” شركة جينكو متعددة الطوابق الواقعة في ميناء بوسطن البحري بتصميم خلية خميرة لتصنيعها من مزيج من الماء السكري؟

رأيتُ كيلي -وهو شخصية فتيّة ويرتدي معطفاً رياضياً ضيقاً وحذاءً رياضياً- لأول مرة وهو يلقي كلمة قبل بضع سنوات. وكان ذلك الحديث هو نفسه الذي يلقيه بنجاح في وادي السيليكون منذ سنوات. تظهر في إحدى شرائح العرض التقديمي صورة لجهاز كمبيوتر أبل وجهاز أيفون وكاميرا وساعة معدنية على مكتب رمادي مزين بنبات موضوع في أصيص ومصباح أسود متحرك. يتساءل كيلي:”ما الجهاز الأكثر تعقيداً على هذه الطاولة؟”.

بالطبع، إنه النبات المنزلي. تتمثل الفكرة من ذلك في أن البيولوجيا يمكنها أن تصنع أي شيء تقريباً. ما عليك سوى التفكير في مكوناتها الصغيرة المتطورة بشكل مذهل، مثل السوط المتحرك الذي يساعد البكتيريا على العوم. حسب تصور شركة جينكو، ستصبح البيولوجيا قابلة للبرمجة وثورية وتدرّ الكثير من الأرباح، تماماً مثل تلك المنتجات التقنية الشهيرة التي ظهرت في شريحة العرض التقديمي. ويقول كيلي: “تعدّ هذه بمنزلة منصة تصنيع أقوى بكثير من أي من تلك الأشياء الأخرى”.

بالنظر إلى كلام كيلي المعسول، من المفاجئ أن شركة جينكو لا تستطيع بعد 13 عاماً من تأسيسها ذكر منتج واحد مهم يتم تسويقه وتصنيعه باستخدام الكائنات الحية. بالنسبة لمعجبي الشركة، لا تعدّ هذه مشكلة. ويقولون إن شركة جينكو تجسد أكبر الاتجاهات في علوم الحمض النووي وستصبح بالتأكيد بمنزلة شركة إنتل أو مايكروسوفت أو أمازون في مجال البيولوجيا. يقارن كيلي الشركة بتلك الشركات الثلاث. ومع ذلك، يرى النقاد أن شركة جينكو لها إنجازات علمية متواضعة وعائدات قليلة، وتكمن أعظم مواهبها في الحصول على تغطية صحفية براقة وفي جمع الأموال.

تعدّ حكاية شركة جينكو مهمة لأنها أصبحت واجهة البيولوجيا التركيبية للعديد من المستثمرين؛ حيث تستعد لبدء التداول في الأسهم العامة في شهر سبتمبر بعد اندماجها مع شركة استحواذ ذات غرض خاص تسمى سورينج إيجل. تعدّ شركة الاستحواذ ذات الغرض الخاص هي شركة شكلية تبيع الأسهم للجمهور في العرض العام الأولي بهدف الاندماج مع شركة خاصة واعدة، وبالتالي جعلها عامة أيضاً. يمكن لهذه الشركات فتح شركات تكنولوجية جديدة ومثيرة (ومحفوفة بالمخاطر) للمستثمرين العاديين، على الرغم من أن ذلك يتم بسعر تتفاوض عليه دائرة ضيقة من صناع الصفقات. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت شركة سورينج إيجل أنها ستندمج مع شركة جينكو في صفقة تم فيها تقدير قيمة شركة جينكو بـ 15 مليار دولار. وستبلغ قيمة حصة كيلي أكثر من 700 مليون دولار.

يعتقد بعض المستثمرين في مجال التكنولوجيا الحيوية أن هذه القيمة مبالغ فيها بالنسبة لشركة ذات إيرادات قليلة؛ ففي عام 2020، حصلت الشركة على 77 مليون دولار لقاء توفير خدمات البحث واختبارات كوفيد-19 لكنها خسرت الكثير من المال أثناء القيام بذلك (أكثر من 137 مليون دولار، على وجه الدقة). ويقول جان فرانسوا فورميلا، صاحب رأس المال الاستثماري في شركة أتلس فينتشر في كامبريدج بولاية ماساتشوستس: “يبدو أنها مثال رائع عن قصة ذكية جذبت اهتمام المستثمرين. مفاد الرسالة هو أن البيولوجيا قابلة للبرمجة. لكن الأمر ليس بهذه السهولة”. ويضيف فورميلا أن قيمة 15 مليار دولار “تبدو ضرباً من الجنون”.

لكن أن تكون متشككاً في السوق الصاعدة اليوم ليس بالأمر المفيد. لذلك من الصعب أن نحدد القيمة الفعلية لشركة جينكو بدرجة من اليقين. فبعد كل شيء، تبلغ تكلفة عملة البيتكوين الواحدة الآن 48,500 دولاراً، وتبلغ القيمة السوقية لشركة تسلا حوالي 700 مليار دولار، أي أكثر من قيمة شركة فورد بعشرة أضعاف. ويقول دوج كول من شركة فلاجشيب بيونيرينج، وهي منظمة لتشكيل شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية في كامبريدج: “إن الحديث بثقة عن أنواع معينة من الشركات يكذّب مدى صعوبة معرفة ذلك”. ويعدّ ذلك صحيحاً بشكل خاص مع الشركات التي “تنشئ أسواقاً جديدة”، مثل شركة جينكو.

إن نجاح شركة جينكو في الترويج ل​​قصتها وجمع الأموال دون تقديم منتجات مهمة جعل بعض المتشككين يتساءلون عما إذا كانت ستكون التالية في طابور الانهيار بمجرد ظهور الحقيقة. فقد شهدت مؤخراً شركة زايمرجن، وهي شركة منافسة في مجال البيولوجيا التركيبية، انخفاض سعر سهمها بنسبة 75٪ في يوم واحد بعد إعلانها أن مبيعات منتجها الرئيسي، وهو فيلم بيولوجي للهواتف القابلة للطي، سيتأخر  عاماً على الأقل. كما استقال الرئيس التنفيذي لشركة زايمرجن، جوش هوفمان، الذي كان قد روج أيضاً لحقبة قادمة من “التصنيع البيولوجي”.

وفي مكالمة هاتفية، قال كيلي إن شركته لا تراهن على أي منتج بشكل متعمد. وبدلاً من ذلك، يقول إن شركة جينكو عبارة عن “منصة” للعلوم والهندسة يمكن للشركات الأخرى استخدامها. وقارنها بمتجر تطبيقات عبر الإنترنت، باستثناء أن التطبيقات تكون عبارة عن خلايا مبرمجة. وكما هو الحال مع متجر التطبيقات، يقول كيلي إن شركة جينكو ستربح في النهاية عن طريق الحصول على جزء من إيرادات العملاء على شكل عائدات أو أسهم. وسيكون أمر صنع وبيع المنتجات المصنعة بيولوجياً متروكاً لهم.

وأخبرني كيلي قائلاً: “أنا لا أمثل شركة مخصصة للمنتجات، وليس لدي الرغبة في أن أكون كذلك. إن أدمغة الأشخاص مبرمجة للاعتقاد بأن المنتجات فقط هي ما يهم في مجال التكنولوجيا الحيوية”.

شركة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات

بدأت شركة جينكو في عام 2008 على يد توماس نايت، مهندس الكمبيوتر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذي كان مهتماً جداً بـ “توحيد” الأبحاث البيولوجية، جنباً إلى جنب مع أربعة طلاب دراسات عليا، من بينهم كيلي. في البداية، حصلت الشركة على منح حكومية وعملت باستخدام معدات موجودة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ويقول كيلي: “كان لدينا 150 ألف دولار وبعض المعدات”. تميز ذلك الوقت بازدياد تمويل شركات “البيولوجيا التركيبية”، التي كان الكثير منها يحلم بتصنيع وقود النقل، وبالكاد ظهرت شركة جينكو.

تغير الأمر في عام 2014، عندما دخلت الشركة الناشئة في برنامج واي كومبينيتور لريادة الأعمال في وادي السيليكون. وسرعان ما أصبحت شركة جينكو تسوّق لحلم البيولوجيا بأسلوب الساحل الغربي، وذلك بتشبيهه بالحواسيب، وأدت عمليات ضخ الأموال المتتالية من قبل المستثمرين إلى وضعها على الطريق نحو “شركة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات”. فقد أصبحت شركة خاصة غير رابحة يقدر المستثمرون قيمتها بمليار دولار بحلول عام 2017 وبـ 4.8 مليار دولار بحلول عام 2019، وذلك وفقاً لشركة بيتش بوك.

يقول مايكل كيريس، أستاذ المعالجة الحيوية في معهد كيك للدراسات العليا، الذي كان يدير سابقاً شركة سيمبل 6 في نفس مبنى شركة جينكو: “كانت أول شركة تكنولوجية حيوية حقيقية من خلال برنامج واي كومبينيتور. أعتقد أن أعضاء البرنامج علموهم كيفية رواية القصة بطريقة تكون قابلة للتمويل. إنها مهارة. لا يتم تمويل الكثير من الأمور العلمية بسبب عدم وجود قصة”.

تعدّ مهارات كيلي في الترويج والتسويق معروفة على نطاق واسع، وتعد شركته مشهورة بزخارف النوافذ العلمية الفخمة. وفي العام الماضي، بدأت الشركة طباعة مجلتها البراقة الخاصة بها، جرو باي جينكو (Grow by Ginkgo)، التي تم إنشاؤها “لذكر روايات إبداعية” بشأن الإمكانات اللانهائية للبيولوجيا التركيبية. وقد احتوى أحد أعداد المجلة الحديثة على بطاقة ليتم حكها وشمها، حيث تعطّرت برائحة زهرة منقرضة.

ولكن ديرك هاوسيكر، وهو أحد جامعي الأسهم المهرة في مجال التكنولوجيا الحيوية وينشط على تويتر، قد سخر من ذلك بقوله: “يجب أن يكون التوقيت جيداً عندما تتمكن شركة تكنولوجية حيوية ناشئة من توظيف أشخاص لكتابة مقالات غير مناسبة وشبيهة بمقالات المجلات”.

يقول كيلي إن فكرة المجلة مستوحاة من مجلة ثينك الدورية، التي كانت شركة آي بي إم تطبعها منذ الثلاثينيات. ويقول كيلي، الذي يرى أن شركة جينكو تلعب دوراً مشابهاً بصفتها ستحدث ثورة في إمكانيات الهندسة الجينية: “لماذا قاموا بذلك؟ لم يكن أحد يعرف ما هو الكمبيوتر”.

وفي بث صوتي، قارن الصحفيون في موقع ستات نيوز بين شركة جينكو بـ “الأسهم التي تشهد ارتفاعاً مفاجئاً بسبب ضجة إعلامية” أو “خيارات الأسهم السيئة”، التي تؤدي إلى اتجاهات تجذب الجمهور الراغب في الاستثمار دون مراعاة أساسيات الأعمال. عندما يتم الانتهاء من صفقة شركة الاستحواذ، الأمر المقرر في شهر سبتمبر، ستصبح تداولات الشركة تحت رمز الأسهم “DNA”، الذي كان يعود في السابق لشركة جينينتك، وهي إحدى أبرز أولى الشركات التي تصدرت مجال التكنولوجيا الحيوية. وقال آدم فيورستين، مراسل الأسهم في موقع ستات: “لا تستحق شركة جينكو بيووركس استخدام الرمز DNA”.

تعدّ شركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص عبارة عن اتجاه رائج في وول ستريت وتقدم مساراً للاكتتاب العام مع تدقيق أقل بقليل من المعتاد للتوقعات المالية للشركة. يعتقد ويل جورنال، الأستاذ بكلية إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا البريطانية، أن هذه الشركات تضفي الطابع الديمقراطي على وصول المستثمرين إلى القطاعات المثيرة ولكن قد تبالغ أيضاً في تقدير قيمة الشركات. تتم بعض الصفقات بشكل جيد، مثل تلك الصفقة التي طرحت شركة الفضاء فيرجن جالاكتيك هولدينجز المملوكة لرجل الأعمال ريتشارد برانسون للاكتتاب العام، ولكن تعرضت لاحقاً خمس شركات للسيارات الكهربائية -تم طرحها للاكتتاب العام عبر شركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص- لما وصفتها مجلة بلومبرج بالتصحيحات “القاسية“.

يمكن لجورنال أن يرى منطق الشخص المراهن في مقامرة شركة جينكو. ففي السنوات الأخيرة، كانت أرباح سوق الأسهم مدفوعة من قبل عدد قليل من شركات التكنولوجيا، بما فيها أمازون وأبل وفيسبوك وجوجل ومايكروسوفت، التي تبلغ قيمة كل منها الآن أكثر من تريليون دولار. ويقول جورنال: “قد يكون التقييم منطقياً إذا كان هناك احتمال بنسبة 1% لأن تكون البيولوجيا بمنزلة الكمبيوتر في المستقبل وأن هذه هي الشركة التي تحقق ذلك”.

منتجات الآخرين

منذ تأسيسها، أنفقت شركة جينكو ما يقرب من نصف مليار دولار، كان معظمها لبناء مختبرات مجهزة بروبوتات وأجهزة تسلسل جيني وأدوات مختبرية متطورة مثل أجهزة قياس الطيف الكتلي. تسمح هذه “المنشآت” للشركة باختبار الجينات المضافة إلى الكائنات الحية الدقيقة (الخميرة غالباً) أو الخلايا الأخرى. وتدعي الشركة أنه يمكنها إنتاج 50 ألف خلية مختلفة معدلة جينياً في يوم واحد. يتمثل الهدف النموذجي لمشروع المنشآت في تقييم أي نسخة من مئات النسخ لجين معين هي التي تكون جيدة بشكل خاص في تحويل السكر إلى مادة كيميائية معينة، على سبيل المثال. ويقول كيلي إن العملاء يمكنهم استخدام خدمات شركة جينكو بدلاً من بناء مختبراتهم الخاصة.

ما تفتقده قصة شركة جينكو هو إنتاج أي منتجات مهمة من خدمة الأبحاث الخاصة بها. يقول كيريس: “إذا كنت تصف نفسك بأنك خبير في مجال البيولوحيا التركيبية، فهذا يرفع سقف النجاح، فهو بمنزلة قولك إنك ستسافر إلى القمر. لقد جمعتَ الكثير من الأموال مقابل رؤية رائعة، ولا بد من الحصول قريباً على منتج جذري، سواء كان دواءً أو منتجاً صناعياً جنونياً”.

حتى الآن، أدت الأعمال الهندسية لشركة جينكو على خلايا الخميرة إلى إنتاج تجاري لثلاثة جزيئات عطرية، كما يقول كيلي. وأكّد روبرت واينستين، الرئيس والمدير التنفيذي للذراع الأميركي لشركة روبرتت المتخصصة في تصنيع النكهات والمواد المضافة، أن شركته تقوم الآن بتخمير اثنين من هذه الجزيئات باستخدام الخميرة التي صممتها شركة كيلي. الجزيء الأول هو جاما ديكالاكتون، وله رائحة خوخ قوية. والجزيء الآخر هو ماسويا لاكتون، وهو سائل صافٍ يتم عزله عادةً من لحاء الأشجار الاستوائية ويستخدم كمُنَكِّه، ويمكن بيع الكيلوجرام منه عبر الإنترنت مقابل 1,200 دولار. إن تشغيل منشأة التخمير على مدار العام يمكن أن ينتج ما قيمته بضعة ملايين من الدولارات من هذه المادة الكيميائية الخاصة.

مهندسو الكائنات الحية

مهندسو الكائنات الحية: مؤسسو شركة جينكو بيووركس الخمسة يجتمعون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. من اليسار: ريشما شيتي، باري كانتون، جايسون كيلي، أوستن تشي، توم نايت.
مصدر الصورة: شركة جينكو بيووركس

بالنسبة لجورج تشيرش، الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، فإن مثل هذه المنتجات لا ترقى حتى الآن إلى مستوى الوعود بأن البيولوجيا التركيبية ستحدث تحولاً في التصنيع على نطاق واسع. ويقول تشيرش: “أعتقد أن النكهات والعطور بعيدة جداً عن الرؤية المتمثلة بأن البيولوجيا يمكنها أن تصنع أي شيء”. كما يجد كيلي أحياناً صعوبة في التوفيق بين الإمكانات “الثورية” التي يراها للبيولوجيا التركيبية مع ما حققته شركة جينكو. لفت تشرش انتباهي إلى تقرير نشر في شهر مايو في صحيفة بوسطن جلوب حول اندماج شركة جينكو مع شركة سورينج إيجل. في التقرير، قال كيلي إن شركته كانت استثماراً مغرياً لأن العالم أصبح يدرك الإمكانيات الاستثنائية للبيولوجيا التركيبية، مستشهداً بلقاحات كوفيد-19 المصنوعة من الحمض النووي الريبي المرسال وبالبروتينات الخالية من الحيوانات في البرجر النباتي الجديد، مثل تلك التي تنتجها شركة إمبوسيبل فودز.

ويقول تشرش: “كان المقال عبارة عن قائمة بالإنجازات، لكن الإنجازات الأكثر إثارة للاهتمام كانت من قبل الآخرين. لا يبدو أنها تستحق ما يصل إلى 15 مليار دولار بالنسبة لي”. ومع ذلك، يقول تشيرش إنه يأمل أن تنجح شركة جينكو فعلاً. فالشركة ليست “شركته الثرية الصاعدة المفضلة” فحسب، ولكنها استحوذت على ما تبقى من بعض شركاته الناشئة في مجال البيولوجيا التركيبية بعد إفلاسها (كما أنه قام مؤخراً ببيع إحدى الشركات لشركة زايمرجن). ويقول إن أداء شركة جينكو في المستقبل “يمكن أن يساعد مجالنا بأكمله أو يضر به بأكمله”.

وفي حين أن أعمال شركة جينكو لم تؤدِّ إلى أي منتجات مهمة، مع إقرار كيلي بأنه من “المحبط” أن تستغرق التكنولوجيا الحيوية مثل هذا الوقت الطويل، إلا أنه يقول إن هناك منتجات ستطرح قريباً من قبل عملاء آخرين. تقول شركة كرونوس لصناعة القنب -التي تتخذ من كندا مقراً لها- إنها ستبيع بحلول نهاية العام حلوى نشوية بنكهة الأناناس تحتوي على مركب كانابايجيرول (CBG) الجزيئي الخاص بأزهار القنب الهندي. وقد ساعدتها شركة جينكو في توضيح كيفية صنع المركب في الخميرة. وتقول إحدى الشركات المنبثقة عن شركة جينكو، وتسمى موتيف فودووركس، إنها تتوقع أن تصبح نكهة اللحم المنتجة صناعياً متوافرة هذا العام أيضاً.

وفي الآونة الأخيرة، سعت شركة جينكو إلى لعب دور أكبر في تصنيع الأدوية التكنولوجية الحيوية الجديدة، التي تعدّ مجالاً أكثر ربحاً. فعلى سبيل المثال، تقول إنها ساعدت شركة توريد بحثية تسمى ألديفرون على تحسين إنتاج إنزيمات السد، التي تستخدم في تصنيع لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال. هناك طلب كبير على هذه الإنزيمات بسبب أزمة كوفيد-19، وإذا تم تسويق العملية، فإنها ستمثل أهم منتج شاركت شركة جينكو في إنتاجه. يمكن أن يشهد هذا المنتج مبيعات سنوية تصل إلى عدة مئات من الملايين، ويقول كيلي إن شركة جينكو ستحصل على جزء منها كعائدات.

إحدى المشاكل التي يراها البعض تتمثل في أن كسب المال بشكل فعلي في مجال البيولوجيا الصناعية هو أمر صعب للغاية؛ إذ إن هندسة ميكروب ليقوم بوظيفته بشكل جيد في مفاعل المختبر ما هي إلا الخطوة الأولى. وفي كثير من الأحيان، تحتاج الكائنات الحية إلى مزيد من التعديل لتنمو وتتطور تحت ضغط الخزانات الفولاذية قبل أن تتمكن من تصنيع شيء ما بشكل فعلي. لكن الجزء الأصعب هو صنع منتجات بيولوجية رخيصة بما يكفي لمنافسة الإنتاج الحالي للمواد الكيميائية.

يقول كريس جسكي، وهو مهندس كيميائي عمل على تطوير بعض أكبر منتجات التكرير البيولوجي في العالم: “إن مجال التكنولوجيا البيولوجية مشتت بشركات لم تستطع التوسع أو لم تفكر في النواحي الاقتصادية. إن مجرد وجود كائن حي ينتج جراماً لكل لتر في عبوة مختبرية لا يعني الجاهزية للتسويق التجاري”.

ويقول جون ميلو، الرئيس التنفيذي لشركة أميريس، وهي شركة أخرى في مجال البيولوجيا التركيبية، إن شركة جينكو ليس لديها خبرة في الإنتاج واسع النطاق، ويعتقد أن كيلي “مذعور” من أن المراهنة على المنتجات “تعادل الصعوبة والفشل”. وكانت شركة أميريس نفسها قد شارفت على الانهيار بعد أن فشلت في خطة لبيع وقود نقل بيولوجي ولكنها بدأت تنعطف من خلال تصنيع وبيع النكهات ومكونات التجميل. من وجهة نظر ميلو، لن يصبح حلم التصنيع المتجدد قريباً ما لم يتم التصنيع البيولوجي على نطاق واسع. ويقول: “أعتقد أن الفكرة من عدم كونك شركة منتجات تخطئ الهدف. كيف يمكنك ضمان الاستدامة إذا لم تصنع منتجاً؟”.

إيرادات حلقية

تتقدم كل العلوم البيولوجية نحو الأمام بسبب القدرة على قراءة الحمض النووي وتعديله واستخدام هذه التعليمات لبرمجة الكائنات الحية أو الخلايا البشرية. يعتقد داعمو شركة جينكو أن أتمتة استخدام هذه التقنيات من شأنه أن يجعل الشركة في وضع فريد لتولي منصب قيادي. يعدّ هاري سلون، المحامي والمدير التنفيذي في هوليوود، أحد رجال الأعمال المسؤولين عن إنشاء شركة سورينج إيجل، كما جعل شركة درافتكينجز للمراهنات الرياضية الخيالية تخضع للاكتتاب العام سابقاً. وقال لصحيفة جلوب: “هذه الشركات لا تعد رائدة في مجالها فحسب، ولكنها في الواقع ابتكرت المجال بنفسها. هذا هو الحال بالتأكيد بالنسبة لشركة جينكو والبيولوجيا التركيبية”.

مختبر استعراضي

مختبر استعراضي: صورة ترويجية تُظهر جانباً من إحدى “منشآت” شركة جينكو بيووركس في بوسطن، حيث تقوم بهندسة الكائنات الحية الدقيقة.
مصدر الصورة: شركة جينكو بيووركس

في عروضها التقديمية للمستثمرين، تتوقع مجموعة سلون أن نموذج شركة جينكو الشبيه بمتجر تطبيقات سيضم خلال أربع سنوات 500 عميل وسيؤدي إلى تدفق النقود بمليارات الدولارات. وكثيراً ما تُصدر شركة جينكو بيانات صحفية للإعلان عن عملاء جدد؛ ما يشير إلى صدى متزايد بشأن مواردها العلمية. ومع ذلك، فإن العديد من عملائها ليسوا مستقلين تماماً عنها. فوفقاً لوثائق الشركة المالية، كان أكثر من نصف عائدات منشآتها لعام 2020 من عدد قليل من الشركات “المرتبطة” التي تمتلكها جزئياً.

تتمثل إحدى الطرق التي تخلق بها شركة جينكو الطلبَ على خدماتها في إنشاء مشاريع فرعية، التي تصبح فيما بعد عملاء لمنشآتها. يتم تمويل هذه الصفقات في بعض الأحيان من قبل أكبر مستثمري شركة جينكو، ومنهم صندوق التحوط فايكنج جلوبال وشركة الاستثمار التي يملكها بيل جيتس، كاسكيد إنفستمنتز. إلى جانب شركة موتيف فودووركس، التي تعمل في نفس مبنى شركة جينكو، فقد أنشأت أيضاً شركة ألونيا، وهي شركة تعمل على تطوير الميكروبات للقضاء على التلوث، والتي تشترك أيضاً في خدمات منشآتها الخاصة.

من الأمثلة الأخرى على كيفية تمويل شركة جينكو للطلب على خدماتها كان التعاون الذي أعلنت عنه في شهر يونيو 2019، وهو مشروع “جذري” مع شركة ناشئة تسمى سينلوجيك، التي تقوم بهندسة بكتيريا الإشريكية القولونية لعلاج اضطرابات الاستقلاب الغذائي الخطيرة. يقوم المرضى في الدراسات الجارية بابتلاع حبوب مليئة بجراثيم تمت برمجتها للقيام بوظائف مفيدة، مثل هضم بعض الأحماض الأمينية الزائدة، التي تسبب مرضاً يسمى بيلة الفينيل كيتون. كانت الصفقة مهمة لأنها أشارت إلى أن شركة جينكو يمكنها أن تشارك في تطوير أدوية جديدة قد تكون مربحة، وليس في المكونات الصناعية فحسب.

ولكن وفق الطريقة التي تم بها تنظيم الصفقة، كانت شركة جينكو هي التي دفعت مقابل معظم تكاليف البحث والتطوير، وليس شركة سينلوجيك. وكجزء من الاتفاقية، قدمت شركة سينلوجيك شيكاً بمبلغ 30 مليون دولار نقداً لشركة جينكو مقابل خدمات المنشآت بهدف تحسين سلالاتها. لكن شركة جينكو استثمرت في الوقت نفسه 80 مليون دولار في شركة سينلوجيك بفارق كبير عن سعر سهمها في ذلك الوقت. وفي الواقع، انتقل المال ذهاباً وإياباً؛ حيث بدأ كأموال نقدية في حساب شركة جينكو المصرفي وانتهى به الأمر كدفعة مقابل خدمات منشآتها.

وعلى الرغم من أن شركة جينكو موّلت البحث، إلا أن كيلي وصف ذلك التعاون للمستثمرين على أنه مثال لنموذج أعمالها الناجح. وبعد إضافة الحمض النووي إلى الكائنات الحية واختبارها، يوضح قائلاً: “نقدم لك أنبوباً بحجم الكُشْتُبان ويحتوي على خلية بداخلها الجينوم الذي تحتاجه. وهذا هو كل ما يخرج من ذلك المصنع الكبير. وبعد ذلك، تقوم أنت -بصفتك عميلاً- بزراعة ذلك في الأحواض الكبيرة الموجودة لديك… إذا كنت من شركة سينلوجيك، فسيتطور الأمر إلى التجارب السريرية كعلاج، أليس كذلك؟”. وفي استعدادها لعملية الاندماج مع شركة الاستحواذ، أخبرت شركة جينكو المستثمرين أيضاً أنها حسَّنت أداء إحدى سلالات الإشريكية القولونية لشركة سينلوجيك عدة مرات.

تقول إيفا برينان، الرئيسة التنفيذية لشركة سينلوجيك، إن شركة جينكو “أثبتت تماماً” أنه يمكنها تحسين أداء سلالات الإشريكية القولونية، لا سيما إذا كانت الوظيفة تتضمن “تنافساً” مؤتمتاً بين إصدارات المسار الجيني لمعرفة الأفضل بينها. وتقول شركة جينكو إنها تعمل باستمرار من خلال استثمارها في الأتمتة على خفض تكلفة التجارب وزيادة عدد تصاميم الكائنات الحية التي يمكنها اختبارها، وهو مقياس تشير إليه باسم “قانون نايت”، تيمناً باسم مؤسسه. في هذه الحالة، قامت شركة جينكو بمسح أكثر من 1,000 جين وأنشأت مئات السلالات.

التسويق الداخلي

التسويق الداخلي: تنشر شركة جينكو مجلة خاصة بها تسمى جرو. وقد تم تصميمها على غرار مجلة ثينك الدورية عالية المستوى التي كانت تنشرها شركة آي بي إم.

وتقول برينان إن هذا النوع من الإجراءات المؤتمتة يعد مفيداً “عندما تعرف ما الذي تبحث عنه” ولكنه “في بعض الأحيان لا يزال غير الذي نحتاج إليه”. وبدلاً من ذلك، تقول إن المشاكل البحثية يتم حلها في كثير من الأحيان عن طريق “الإصلاح” العلمي، أو الاختبارات التي لا يمكن أتمتتها بسهولة. وفي الواقع، تقول برينان إن الكائنات الحية التي ساعدت شركة جينكو في هندستها لم تكن ناجحة بعد أن فشلت في “الوصول إلى معاييرنا للمضي قدماً بالمشروع” إلى الاختبارات السريرية. بدلاً من ذلك، أعلنت شركة سينلوجيك هذا الصيف أنها ستبدأ الاختبارات البشرية لنمط جديد من الإشريكية القولونية تمت هندسته بواسطة شركة إن إيفولف الناشئة، التي اشترتها شركة زايمرجن مؤخراً، والتي تقول عنها برينان إنها وفرت للمشروع إمكانات لم تتمكن شركة جينكو من توفيرها في ذلك الوقت.

من خلال تشكيل شركات فرعية والحصول على أسهم لدى عملائها، يمكن لشركة جينكو أن تبدو وكأنها شركة لرأس المال الاستثماري أكثر من كونها شركة أبحاث. فعلى سبيل المثال، قام كيلي مع أكبر شركة خارجية تستثمر في شركته -وهي شركة فايكنج جلوبال التي تمتلك 20% من شركة جينكو- بالمساعدة المالية لشركة جينوماتيكا، وهي شركة تصنع المواد السابقة للبلاستيك وتواجه دفعة مكلفة للتسويق. انتهى الأمر بهذه الشركة بأن تصبح مملوكة إلى حد كبير لشركتي فايكنج وجينكو، ولكنها أصبحت أيضاً أحد عملاء شركة جينكو. ووصف شخص كان مقرباً في السابق من شركة جينوماتيكا شركة جينكو بأنها تعمل كـ “ذراع لشركة فايكنج” ويتمثل عملها الحقيقي في الهندسة المالية وليس الهندسة الجينية. ووصف هذا الشخص شركة جينكو بأنها “فعالة” نظراً لكيفية استخدامها لرأس المال من أجل “تنظيم السوق” و”إعادة إثارة الاهتمام بالبيولوجيا التركيبية”.

إن ممارسات شركة جينكو، المتمثلة في زيادة الطلب من خلال الاستثمار في عملائها ومقايضة العمل في منشآتها مقابل الحصول على أسهم وتمويل المشاريع التي تسعى لإثبات أمر ما، قد كانت موضوع دراسة حالة في كلية هارفارد للأعمال عام 2020، وخلصت إلى أن تلك الترتيبات كانت مفيدة “لتوضيح النمو المستقبلي للشركة وإمكاناتها غير المستغلة” لمستثمريها. لكن الترتيبات تجعل معرفة موارد شركة جينكو المالية أكثر صعوبة، حتى بالنسبة للشركة نفسها.

أكد كيلي أن بعض الرؤساء التنفيذيين لشركاء جينكو -بمن فيهم رئيس شركة موتيف- عبروا إليه عن مخاوفهم بشأن الطريقة غير المتوقعة التي تنفق بها جينكو اعتمادات منشآتها التي حصلت عليها. كانت شركة جينكو تقوم بشكل أساسي بتقسيم تكلفة تشغيل منشآتها بين كافة العملاء الذين تعمل معهم، بدلاً من مطالبتها لهم بأسعار ثابتة، وهو ما تفعله الآن. وتقول برينان إن المحاسبة “الفضفاضة” خلقت تحديات لشركتها، التي تعدّ شركة عامة ويتعين عليها تقديم تقارير ربع سنوية إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية. وبعد أن أثارت المجموعة هذه المخاوف، قام كيلي بحل المشكلة بسرعة. وتقول برينان: “يمكنك إصلاح الكثير من الأشياء بالمال. ولديهم الكثير من المال”.

وقالت برينان في إحدى المقابلات إنها سعيدة بمشاركة كيلي في شركتها، واصفةً إياه بالمساهم الداعم الذي يرى أن “نجاحنا هو نجاح لهم أيضاً”. إن إيمان كيلي بالبيولوجيا التركيبية لا يتزعزع، واستمر دعمه حتى مع انخفاض سعر سهم شركة سينلوجيك، الأمر الذي أدى إلى خسارة حوالي ثلاثة أرباع استثمارات شركة جينكو على الورق.

وتقول برينان عن كيلي: “إنه يتمتع بشخصية جذابة جداً. إنه لأمر يبعث على السعادة أن يكون لديك مستثمر يعتقد أيضاً أن البكتيريا المعدلة ستباع يوماً ما في الصيدليات لمساعدة الناس”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.