Article image
مصدر الصورة: ناسا/ مركز جودارد للتحليق الفضائي



تشير دراسة جديدة إلى أن النشاط الشمسي المفرط قد يجعل إطلاق بعثات أرتميس في وقت لاحق من هذا العقد أمراً خطيراً للغاية.

2021-05-25 14:20:06

25 مايو 2021

هل ستتمكن ناسا حقاً من إعادة البشر إلى القمر في 2024؟ كان هذا التوجيه الذي أصدرته إدارة ترامب إلى الوكالة، والذي يبدو أبعد منالاً بصورة متزايدة. لم يغير الرئيس بايدن من هذا الهدف بعد، على الرغم من أن معظم الخبراء يتوقعون أن يعطي ناسا مهلة إضافية تحتاج إليها بشدة، ويغير هذا الموعد إلى وقت لاحق في هذا العقد. 

غير أن المشكلة تكمن في أن 2024 قد يكون الخيار الأكثر أماناً. حيث تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة سولار فيزيكس إلى تزايد خطر وقوع أحداث طقس فضائي، أي عواصف من الإشعاعات والجسيمات الشمسية عالية الشحنة، في النصف الثاني من هذا العقد. وسيمثل هذا خطراً كبيراً على أي بعثات مأهولة إلى القمر بين 2026 و2029. وإذا كانت ناسا جدية في نيتها بالعودة إلى القمر وترغب في الحفاظ على سلامة رواد الفضاء قدر الإمكان، فقد يكون من الأفضل أن تعمل على مضاعفة جهودها لضمان إرسال البعثة قبل 2026، أو الانتظار حتى انتهاء العقد.

يقول ماثيو أوينز، وهو مختص بالفيزياء الفضائية في جامعة ريدينج في المملكة المتحدة، والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: “لا شك في أن الطقس الفضائي لم يحظَ بالكثير من الاهتمام في بداية عصر الفضاء، ولكنه أصبح محط اهتمام متزايد، سواء من حيث آثاره على الأرض أو الاستكشاف الفضائي. وقد كانت هذه الدراسة موجهة نحو ظروف الطقس الفضائي الشديدة بشكل عام، بدلاً من التركيز حصراً على أثرها على الاستكشاف القمري. غير أن جمع النتائج المختلفة معاً للحصول على توقعات لاحتمال وقوع أحداث طقسية فضائية شديدة خلال الدورة المقبلة المؤلفة من 11 سنة أدى بنا إلى اكتشاف الآثار المتوقعة على الاستكشاف القمري”.

نعم، يوجد طقس في الفضاء؛ حيث إن سطح الشمس يتفجر بالغاز والبلازما، ويطلق الجسيمات المشحونة (بروتونات وإلكترونات وأيونات ثقيلة) إلى كافة أنحاء النظام الشمسي بسرعات تبلغ الملايين من الكيلومترات في الساعة. ويمكن لهذه الجسيمات أن تضرب الأرض والقمر في ظرف دقائق معدودة. وعلى الرغم من أن الحقل المغناطيسي الأرضي يستطيع حمايتنا منها، فإنها ما تزال قادرة على تعطيل الأنظمة الإلكترونية وشبكات الطاقة على السطح، وإحداث أضرار فادحة بالأقمار الاصطناعية التي تدير خدمات أنظمة تحديد المواقع العالمية وخدمات الاتصالات.

ويمكن أن يكون الطقس الفضائي شديد الخطورة بالنسبة لأي رواد فضاء يحلقون إلى القمر أو يحاولون العيش والعمل على قاعدة قمرية على السطح. فقد تتعطل أجهزة الطاقة وأنظمة دعم الحياة، كما يمكن للنشاط الشمسي إنتاج إشعاعات من مستويات خطيرة على الحياة. يقول أوينز: “بين أبولو 16 و17، كان هناك حدث طقس فضائي هائل كان من المرجح أن يكون قاتلاً لرواد الفضاء لو كانوا على سطح القمر في ذلك الوقت”.

في كل 11 سنة، ينقلب الحقل المغناطيسي الشمسي -أي أن القطبين الشمالي والجنوبي يتبادلان المواضع- ويتصاعد النشاط الشمسي ويتراجع. قد يبدو أن من الأفضل إطلاق البعثة خلال فترة النشاط الشمسي الأدنى، ولكن هذا لم يكن صحيحاً بالضرورة؛ حيث إن نقطة الحضيض للنشاط الشمسي تعني التعرض إلى المزيد من الإشعاعات الكونية المجرية (أي الإشعاعات الفضائية القادمة من خارج النظام الشمسي).

إضافة إلى ذلك، فإن أنماط الطقس الفضائي التي كنا قادرين على توقعها كانت تتعلق بالأحداث الخفيفة والمتوسطة، التي لا تشكل خطراً يذكر على البعثات المأهولة. أما العواصف الشمسية الشديدة -أي تلك التي يمكن أن تؤدي فعلياً إلى تدمير بعثة إلى القمر- فهي تحدث عشوائياً. ومن الأمثلة عليها حدث كارينجتون 1895 الشهير، الذي حدث خلال فترة نشاط شمسي منخفض ظاهرياً. إضافة إلى ذلك، فإن هذه الأحداث الشديدة نادرة للغاية، ما يجعل دراستها شديدة الصعوبة.

ولتعزيز التحليل الذي يعتمد على البيانات القليلة المتوافرة، قام أوينز وفريقه بتطوير نماذج احتمالية للأحداث الطقسية الفضائية الشديدة بناء على 150 سنة من سجلات النشاط الشمسي. تقوم هذه النماذج بمحاكاة تكرارات مختلفة من العواصف الشديدة، حيث تحدث عشوائياً وفق أحد النماذج، في حين يزداد احتمال وقوعها في الذروة وفق نموذج آخر، وهكذا دواليك.

وبعد آلاف العمليات من المحاكاة، أصبح لدى الباحثين ما يكفي من البيانات لتحديد السيناريوهات الأفضل توافقاً مع ما نعرفه حالياً عن طبيعة الشمس. فقد استنتج الباحثون أن الطقس الفضائي الشديد يتبع نفس النمط العام الذي يتبعه الطقس المتوسط؛ حيث إن النشاط أعلى خلال فترة الذروة الشمسية منه خلال فترة الحضيض، كما أن وقوع الأحداث الشديدة أكثر ترجيحاً خلال الدورات الشمسية القوية منه خلال الدورات الأضعف.

إضافة إلى ذلك، فقد تبين أن الأحداث العنيفة تتميز بميزة غريبة؛ فهي تميل إلى الحدوث في وقت متأخر قليلاً في الدورات الشمسية ذات العدد الفردي مقارنة بمثيلاتها الزوجية.

وقد بدأت الدورة الشمسية رقم 25 في ديسمبر من العام 2019. ومن المتوقع عموماً أن تقع ذروتها خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2029، ما يجعله الوقت الأسوأ من حيث الطقس الفضائي. يقول أوينز: “ولكن، وبما أنها دورة فردية، فإن احتمال وقوع الأحداث الطقسية الفضائية العنيفة سيصبح أعلى مع الاقتراب من نهاية تلك الفترة، أي تقريباً خلال الفترة من 2026 إلى 2029”.

ويقول المؤلفون إن تزايد هذا الاحتمال يجعل التحليق بالبعثات إلى القمر في تلك الفترة أمراً محفوفاً بالمخاطر. يقول أوينز: “نحن لا نتوقع توقيت وقوع الأحداث المنفردة، ولهذا فإن أفضل نصيحة يمكن أن نقدمها هي حول احتمالية وقوع حدث عنيف”. وإذا اضطرت ناسا إلى تأجيل الإطلاق إلى 2026، فقد يكون من المفضل أن يؤخر الإطلاق إلى وقت لاحق، مثل 2030. وإلا، يجب على مخططي البعثة أن يضمنوا تجهيز المركبة الفضائية بالمعدات اللازمة لحماية رواد الفضاء من حدث عنيف.

فليس من الممكن إعادتهم ببساطة من القمر في الوقت المناسب ما أن نتأكد من قرب وقوع عاصفة شمسية شديدة. حالياً، فإن أفضل نظام تحذير للطقس الفضائي يمكن أن يعطينا إنذاراً قبل وقوع الحدث بفترة تتراوح بين بضع ساعات وبضعة أيام، وغالباً ما تكون هذه التوقعات أسوأ من حيث توقع العواصف الكارثية.

يعتقد دان بيكر، وهو باحث في الفيزياء الفضائية في جامعة كولورادو بولدر، ولم يشارك في هذه الدراسة، أن النتائج جيدة ومنطقية، ويؤكد على أن هذه الأبحاث “يجب أن يُنظر إليها بجدية ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أثناء التخطيط للبعثات”. ولكنه ليس واثقاً تمام الثقة من أن العمل الإحصائي لهذه الدراسة يجب أن يُعتمد كأساس لإلغاء أي بعثات قمرية بين 2026 و2029.

ويقول: “تمثل أحداث العواصف الشمسية والجسيمات الشمسية عالية الطاقة خطراً حقيقياً على رواد الفضاء خارج نطاق حماية المجال المغناطيسي الأرضي، ولكنني أعتقد أنه يمكن اتخاذ خطوات فعالة للوقاية من آثار هذا الطقس الفضائي العنيف. وبوجود نظام فعال وعملي لمراقبة الطقس الفضائي وإطلاق الإنذارات قبل وقوع الأحداث الشديدة، أعتقد أنه يمكننا أن نتعامل مع هذه الأخطار”. قد تكون الأخطار مقبولة في حال وجود نظام إنذار مبكر للطقس الفضائي مع قدرة على مراقبة الشمس بأكملها على مدار الساعة، ووحدة خاصة ضمن المركبة الفضائية أو القاعدة القمرية لحماية رواد الفضاء من هذه الأحداث تحديداً.  

وعلى الرغم من أن هذه الأحداث قد تكون نادرة، فإنها قد تعني الفرق بين الحياة والموت في بعثة إلى القمر. وسنرى لاحقاً ما إذا كانت ناسا وغيرها من المؤسسات مستعدة للقبول بهذه المخاطرة.