Article image
مصدر الصورة: ريبيكا هاريس على أنسبلاش



ابتكرت أبل تكنولوجيا جديدة وثورية لمواجهة استغلال الأطفال، لكنها أثارت الانتقادات والاستحسان في نفس الوقت بمسح كل ما هو على هواتف أيفون.

2021-08-12 17:29:19

12 أغسطس 2021

أطلقت أبل عدة إعلانات شهيرة ومميزة خلال تاريخها الذي يمتد على مدى 45 عاماً، بدءاً من إعلان أجهزة ماك الشهير في بطولة كرة القدم الأميركية لعام 1984، وصولاً إلى حملة الإعلانات الحماسية في 2019، التي وعدت أن “كل ما يحدث على هاتفك أيفون، سيبقى داخله فقط”.

ومؤخراً، أعلنت أبل عن تكنولوجيات جديدة لكشف وجود المواد التي تتضمن الاستغلال الجنسي للأطفال (اختصاراً: سيسام CSAM) على هواتف أيفون بصورة مباشرة، وفجأة، بدا للجميع أن كل ما يحدث على هاتف أيفون لن يبقى داخله ببساطة. ويبدو أن هذه الميزات الجديدة المثيرة للجدل ضربت على الوتر الحساس لمسائل الخصوصية، والمراقبة، والجرائم المنفذة بمساعدة التكنولوجيا.

تقول أبل إن هذه الميزات الجديدة تحافظ على الخصوصية أثناء عملها على مكافحة استغلال للأطفال. ولكن بالنسبة للمنتقدين، فإن السؤال الأكبر لا يتعلق بما قد تقوم به هذه التكنولوجيا اليوم، بل بما قد تتحول إليه لاحقاً.

فهل ستمكن تكنولوجيا المسح الجديدة من أيفون من رفع مستوى ونطاق المراقبة في جميع أنحاء العالم؟ وهل ستبدأ الحكومات بمطالبة أبل بمسح هواتف أيفون في بلدانها بحثاً عن جميع أنواع المحتوى المحظور؟

تقول أبل إن أداة الكشف الجديدة، والمسماة نيورال هاش، تستطيع تحديد الصور التي تتضمن استغلال الأطفال على أيفون دون فك تشفير الصورة. كما تقول الشركة إنها طبقت عدة عمليات تحقق وتدقيق للتخفيف من احتمال وقوع الأخطاء قبل تحويل الصور إلى المركز الوطني للأطفال المفقودين والمعرضين للاستغلال (NCMEC)، وبعدها إلى سلطات تنفيذ القانون. وعلى سبيل المثال، يجب أن يتمكن برنامج المسح من اكتشاف عدة صور، بدلاً من صورة واحدة وحسب. سيتم إطلاق هذه الميزة في الولايات المتحدة هذه السنة.

وفي الواقع، فإن العديد من الخدمات السحابية الكبيرة، مثل جوجل ومايكروسوفت ودروب بوكس وغيرها، تقوم بمسح المواد المخزنة على خوادمها بحثاً عن المواد التي تتضمن استغلال الأطفال، وبالتالي، فإن الفكرة العامة ليست جديدة. أما الفرق فيكمن في أن بعض عمليات المسح التي ستجريها أبل ستكون ضمن جهاز أيفون نفسه، وهو ما تقول أبل إنه يمثل الميزة الأساسية التي تحافظ على الخصوصية في هذه التكنولوجيا.

وفي عرض مختصر عقدته أبل مع مجموعة من الصحفيين مؤخراً، قالت إن الخدمات السحابية الأخرى تقوم بمسح كل ما يحمله مستخدموها تقريباً، غير أن المسح الذي تجريه أبل على الجهاز يقوم بإرسال إشارة غير قابلة للقراءة إلى الشركة لتحديد الصور التي تتضمن استغلال الأطفال، وذلك بناء على قاعدة بيانات تديرها (NCMEC)، لا أبل.

أيضاً، أشارت أبل إلى أن الميزة تنطبق فقط على الأشخاص الذين يقومون برفع الصور على آي كلاود (ويعد الرفع التلقائي الخيار الافتراضي على أيفون، ولكن يمكن إيقافه)، كما أن حسابات آي كلاود ليست مشفرة حالياً، ولهذا فإن مؤسسات فرض القانون تستطيع الدخول إليها على أي حال.

إذن، لماذا لا تكتفي أبل بما تفعله الشركات التكنولوجية الكبيرة الأخرى، وتقوم بمسح الصور عند رفعها إلى السحابة، بدلاً من مسحها وهي ما تزال على الهاتف؟ ولماذا تتكلف عناء بناء مجموعة من التكنولوجيات الجديدة والمعقدة، على حين تستطيع ببساطة الاعتماد على تكنولوجيات موجودة مسبقاً ومتاحة لها؟

خطوة أبل التالية

هناك الكثير مما نجهله حول ما تقوم به أبل الآن وما ستقوم به لاحقاً. وتقول إحدى النظريات التي تحظى بقبول واسع إن هذا الإعلان ليس سوى البداية في سلسلة من عدة إجراءات ستتخذها أبل لاحقاً.

لقد كانت الخصوصية محط تباهي قسم التسويق في أبل لعدة سنوات. وكان أيفون أحد أول الأجهزة الشخصية المزودة بتشفير تلقائي، كما أن آي ميساج واحد من أشهر تطبيقات التراسل المزودة بتشفير من الطرف إلى الطرف. غير أن الكثيرين من زبائن أبل يقومون بإنشاء نسخ احتياطية من كل ملفاتهم على حساباتهم في آي كلاود، ولم يسبق لهذه الخدمة أن كانت مشفرة قط. ولهذا، وحتى في 2019، فإن خصوصية أيفون الشهيرة ما زالت محطاً للشك.

لقد مارست الحكومات، وعلى مدى سنوات عديدة، ضغوطاً هائلة على جميع الشركات التكنولوجية -بما فيها أبل- للسماح لمؤسسات فرض القانون بالنفاذ بشكل خاص إلى جميع البيانات المشفرة بالنسبة للآخرين في محاولة لمنع ما يعتبرونه أسوأ أنواع الجرائم. لطالما كان استغلال الأطفال على رأس قائمة هذه الجرائم، متبوعاً مباشرة بالإرهاب. وبسبب تطبيق أبل لمبدأ التشفير وتأييده علناً، أصبح عمل بعض مؤسسات الشرطة أكثر صعوبة، غير أن هذا ساهم أيضاً في الحد من المراقبة وإساءة استخدام السلطة.

غير أن آي كلاود كان ثغرة كبيرة في هذا الجدار؛ فإذا احتاجت الشرطة إلى اختراق جهاز أيفون مباشرة، ستواجه صعوبة كبيرة للغاية، ولكن إذا كانت البيانات منسوخة ضمن حساب آي كلاود غير مشفر، فإن مذكرة قضائية تكفي لحل المشكلة.

وبعد هذا الإعلان الجديد من أبل، يعتقد بعض الخبراء أن أبل ستعلن قريباً عن تشفير آي كلاود. وإذا تم تشفير آي كلاود، وبقيت الشركة قادرة على تحديد مواد استغلال الأطفال، وتقديم الأدلة إلى مؤسسات فرض القانون، وتعليق حساب المتهم، فقد يخفف هذا من بعض الضغوط السياسية التي يتعرض لها مدراء أبل التنفيذيون.

غير أن هذا لن يؤدي بالتأكيد إلى التخلص من جميع هذه الضغوط، فالحكومات التي تشجع أبل على اتخاذ المزيد من الإجراءات لمكافحة استغلال الأطفال ترغب أيضاً في مزيد من الإجراءات التي تتمحور حول المحتوى المتعلق بالإرهاب وغيره من الجرائم. ولكن استغلال الأطفال يمثل مشكلة حقيقية وكبيرة ما زالت الشركات التكنولوجية الكبيرة عاجزة إلى حد كبير عن التعامل معها.

يقول ديفيد فورسايث، رئيس مجلس إدارة قسم علوم الحاسوب في جامعة إيلينويس أوربانا شامبين، الذي قام بتدقيق نظام أبل: “إن طريقة أبل تحافظ على الخصوصية بشكل أفضل من أي طريقة أخرى أعرفها”. “في رأيي الخاص، سيؤدي هذا النظام على الأرجح إلى زيادة احتمال كشف الأشخاص الذين يمتلكون أو يتاجرون بمواد سيسام، وهو ما سيساعد على حماية الأطفال. أما بالنسبة للمستخدمين العاديين، فمن المفترض أن يكون التأثير على خصوصيتهم محدوداً أو معدوماً؛ لأن المواد المرئية لا يُكشف عنها إلا في حالة وجود تطابقات كافية مع صور سيسام، وفقط بالنسبة للصور المطابقة لصور سيسام معروفة. إن دقة نظام المطابقة -إضافة إلى العتبة المدروسة- سيجعل كشف الصور التي لا تتطابق مع صور سيسام معروفة أمراً مستبعداً للغاية”.

ماذا عن واتساب؟

تواجه كل شركة تكنولوجية كبيرة حقائق مروعة حول وجود مواد تتعلق باستغلال الأطفال على منصاتها. ولكن، لم تتعامل أي شركة مع هذه المسألة مثل أبل.

وعلى غرار آي ميساج، فإن واتساب منصة تراسل بتشفير من الطرف إلى الطرف بمليارات المستخدمين. وعلى غرار أي منصة بهذا الحجم، فإنها تواجه مشكلة كبيرة حول استغلال الأطفال.

وقد غرد مدير واتساب ويل كاثكارت مؤخراً على تويتر قائلاً: “لقد قرأت المعلومات التي نشرتها أبل البارحة، وأنا أشعر بالقلق. وأعتقد أنها طريقة خاطئة، وتمثل نكسة بالنسبة لخصوصية الناس في جميع أنحاء العالم. وقد تساءل الكثيرون عما إذا كنا سنعتمد نفس النظام في واتساب. والإجابة هي: كلا”.

يتضمن واتساب ميزة التبليغ، بحيث يستطيع أي مستخدم الإبلاغ عن المحتوى المسيء على واتساب. وفي حين أن هذه الميزة ليست مثالية على الإطلاق، فقد أبلغت واتساب عن أكثر من 400,000 حالة إلى NCMEC السنة الماضية.

وقال كاثكارت في تغريداته: “إنه عبارة عن نظام مراقبة بنته أبل وتقوم بإدارته، ويمكن بسهولة استخدامه لمسح المحتوى الخاص لأي شيء ترغب أبل أو الحكومة بالتحكم فيه. وستضع البلدان التي تُباع فيها أجهزة أيفون تعريفات مختلفة لما هو مقبول. هل سيُستخدم هذا النظام في الصين؟ وما المحتوى الذي سيعدُّونه هناك مخالفاً للقانون، وكيف سنعرف بذلك حتى؟ وكيف ستتعامل أبل مع طلبات الحكومات في جميع أنحاء العالم لإضافة أنواع أخرى من المحتوى إلى قائمة المحظورات التي سيكشف المسح عنها؟”.

في اجتماعها مع الصحفيين، أكدت أبل على أن هذا النوع الجديد من تكنولوجيا المسح سيُطلق حالياً في الولايات المتحدة فقط. ولكن الشركة أردفت أنها تتميز بسجل مشرف من الكفاح في سبيل الخصوصية، وأنها تتوقع الاستمرار على هذا النهج. وبالتالي، فإن كل شيء يؤول في نهاية المطاف إلى مدى ثقتنا في أبل.

لقد قالت الشركة إن الأنظمة الجديدة لا يمكن إساءة استخدامها بسهولة عن طريق الإجراءات الحكومية، وأكدت مراراً وتكراراً أن إيقاف هذه الميزة سهل بسهولة إيقاف عملية النسخ الاحتياطي على آي كلاود.

وعلى الرغم من أن آي ميساج تعد أحد أكثر منصات التراسل شعبية في العالم، فلطالما تعرضت للانتقادات بسبب افتقارها إلى أي نوع من ميزات التبليغ، التي أصبحت أمراً شائعاً على منصات التواصل الاجتماعي على الإنترنت. ولهذا، لم تبلغ أبل على مدى تاريخها سوى عن نسبة ضئيلة من الحالات إلى NCMEC مقارنة بشركات مثل فيسبوك.

ولكن، وبدلاً من اللجوء إلى هذا الحل، قامت أبل ببناء شيء مختلف تماماً، وتمثل النتائج النهائية سؤالاً مفتوحاً ومقلقاً بالنسبة لمتشددي الخصوصية. غير أنه تغيير ثوري ومُرحب به بالنسبة للآخرين.

يقول جون كلارك، وهو رئيس NCMEC، في تصريح: “تمثل حماية أبل الموسعة للأطفال عاملاً مؤثراً سيغير قواعد اللعبة بأسرها. وتقول الحقائق أنه يمكن تحقيق التعايش بين الخصوصية وحماية الأطفال”.

على المحك

قد يقول المتفائلون إن تفعيل التشفير الكامل لحسابات آي كلاود مع الحفاظ على إمكانية كشف مواد استغلال الأطفال يمثل نصراً للخصوصية ومكافحة الاستغلال معاً، بل وقد يكون حتى حركة سياسية بارعة تخفف من قوة الحجج المعارضة للتشفير من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين والهنود والصينيين.

أما الواقعيون فقد يشعرون بالقلق مما قد يأتي لاحقاً من أقوى بلدان العالم. فمن المضمون عملياً ان أبل ستتلقى العديد من الاتصالات -بل من المرجح أنها تلقتها فعلياً- من العديد من العواصم؛ حيث يرسم مسؤولو الحكومات خططَ مراقبة جديدة تتضمن الكثير من الاحتمالات لاستخدام تكنولوجيا المسح هذه. وعلى الرغم من أن الضغوط السياسية تختلف كلياً عن التنظيم وسيطرة السلطة، فإن هذه المخاطرة ليست جديدة، ولا تقتصر على هذا النظام فقط. وبالنظر إلى سجل أبل الحافل بالتسويات الصامتة والمربحة مع الصين، فأمامها الكثير من العمل الواجب تنفيذه لإقناع المستخدمين بقدرتها على مقاومة الحكومات المتسلطة.

قد يكون كل ما سبق صحيحاً. وما سيحدث لاحقاً هو ما سيرسم شكل تكنولوجيا أبل الجديدة في نهاية المطاف. وإذا تم استغلال هذه الميزة من قبل الحكومات لتوسيع نطاق المراقبة، فمن الواضح أن الشركة فشلت في الوفاء بوعودها حول الخصوصية.