Article image
حقوق الصورة: جوزيف رايشيج | ويكيميديا كومنز
Article image حقوق الصورة: جوزيف رايشيج | ويكيميديا كومنز

الصحة

حتى مع اندلاع جدل عارم في الصين حول إنتاج الأطفال المعدَّلين جينياً، يأمل بعض العلماء في أميركا أن تُستخدم لتحسين الأطفال مستقبلاً.

في خضمِّ الضجة الهائلة حول التجربة التي أُجريت في الصين وادَّعت إنتاج فتاتين تم تعديل جيناتهما لحمايتهما من فيروس الإيدز، فإن هناك شيئاً يستحق أن تعرفه، وهو أن الأبحاث التي تهدف إلى تحسين الجيل القادم من البشر يتم إجراؤها في الولايات المتحدة أيضاً.

وفي الواقع، هي على وشك الحدوث في جامعة هارفارد.

ففي معهد الخلايا الجذعية التابع للجامعة، يقول فيرنر نويهاوسر (العالِم والطبيب المتخصِّص في التلقيح الاصطناعي) إنه يخطط للبدء في استخدام أداة كريسبر المخصَّصة لتعديل الجينات في تغيير شفرة الحمض النووي داخل خلايا الحيوانات المنوية. والهدف هو إظهار ما إذا كان من الممكن إنتاج أطفال بالتلقيح الاصطناعي ويكون لديهم انخفاض كبير في خطر الإصابة بمرض ألزهايمر في وقت لاحق من الحياة أم لا.

ولنكن واضحين، فلا توجد أي أجنة ستشارك في التجربة، ولا توجد أي محاولة لإنجاب طفل حتى الآن. وبدلاً من ذلك، يقوم الباحثون بإجراء تغيير الحمض النووي في الحيوانات المنوية المأخوذة من بوسطن آي في إف، وهي شبكة وطنية كبيرة لعيادات الإخصاب. ولا يزال هذا البحث بسيطاً وغير منشور.

ولكن هدف المشروع يشبه التجربة التي تم إجراؤها في الصين، ويثير نفس السؤال الجوهري: هل يريد المجتمع أطفالاً لديهم جينات معدَّلة بشكل خاص للوقاية من الأمراض؟

ومنذ أن تم إعلان الادِّعاءات حول إنتاج الطفلتين بتقنية كريسبر مؤخراً، قامت الهيئات الطبية والخبراء بإدانة هي جيانكوي بشدة، وهو العالِم الصيني المسؤول عن الأمر. وهناك أدلة على أن تجاربه -التي تم إيقافها الآن- قد تم إجراؤها بطريقة غير أخلاقية ومخادعة، بحيث أنها ربما قد عرَّضت الطفلتين اللتين تم إنتاجهما للخطر. وقد قال نائب وزير العلوم والتكنولوجيا الصيني شو نانبينغ إن هذه المحاولة “تجاوزت خط الأخلاقيات، وكانت مروِّعة وغير مقبولة”.

وفي خضمِّ الإدانة، كان من السهل أن نفوِّت ما يقوله الخبراء البارزون، فالتكنولوجيا الهادفة إلى تغيير الوراثة هي أمر حقيقي، وهي تتحسن بسرعة كبيرة ولها ميزات تجعلها آمنة، وسيصبح من الممكن تبرير استخدامها بشكل استكشافي وأوسع نطاقاً لإنتاج الأطفال قريباً.

وكانت تلك هي الرسالة التي تم تقديمها في قمة التعديل الجيني في هونغ كونغ يوم الأربعاء، 28 نوفمبر 2018، من قِبل جورج دالي (عميد كلية الطب بجامعة هارفارد)، وذلك قبيل ظهور هي جيانكوي الدرامي على المنصة.

وما أزعج بعض المستمعين أن باحث الخلايا الجذعية والطبيب بجامعة هارفارد لم يستنكر ما قام به هي جيانكوي، ولكنه وصف التجربة الصينية بأنها منعطف خاطئ عن الطريق الصحيح. وقال دالي: “إن احتمال أن يكون النموذج الأول لتعديل الخط الإنتاشي البشري هو خطوة خاطئة يجب ألا يدفعنا بأي حال من الأحوال إلى تجنُّبه، فقد حان الوقت للبدء في تحديد المسار الفعلي للتطبيق السريري”.

وبالنسبة إلى تعديل الخط الإنتاشي، فإن دالي يعني تعديل الحيوانات المنوية أو البيوض أو الأجنة؛ لأن القيام بتغيير حمضها النووي يمكن أن ينقل التغيير إلى الأجيال القادمة. وبينما طالبت أصوات أخرى بحظر تعديل الخط الإنتاشي، إلا أن دالي وغيره من أعضاء قيادة القمة دافعوا عن ذلك، وجاء في بيانهم الأخير أن المشروع الطبي الجريء والمزعج لتعديل البشر في مخابر التلقيح الاصطناعي يجب أن يمضي قدماً.

وقال دالي: “من الواضح تماماً أن هذه التكنولوجيا من شأنها أن تحوِّل المجال العلمي كما تتمتع بقوة كبيرة لاستخدامها في الطب”.

يقوم فيرنر نويهاوسر (الطبيب المتخصِّص بالتلقيح الاصطناعي والعالم البارز) باستكشاف تطبيقات تعديل الجينات.
حقوق الصورة: فيرنر نويهاوسر

مشروع هارفارد

وقال دالي إن تعديل الخط الإنتاشي يمكن استخدامه -وربما ينبغي استخدامه- لتنظيم صحة الأطفال في المستقبل، فمن خلال تعديل الخط الإنتاشي سيكون من الممكن إزالة الطفرات التي تسبِّب سرطانات الأطفال أو التليّف الكيسي، كما أن التعديلات الجينية الأخرى يمكنها أن تمنح الحماية من الأمراض الشائعة للأطفال. وفي قائمة دالي للجينات -التي من المحتمل أن يكون تعديلها مقبولاً- كان هناك الجين CCR5 الذي قام هي جيانكوي بتغييره عند التوأم.

وفي جامعة هارفارد، يقول نويهاوسر إنه سيقوم هو وزميله في البحث دنيس فان قريباً بتعديل الحيوانات المنوية لتغيير جين يسمَّى ApoE، وهو الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمخاطر الإصابة بمرض ألزهايمر، فالشخص الذي يرِث نسختين من النسخ عالية المخاطر من الجين يكون لديه خطر الإصابة بهذا المرض في حياته حوالي 60٪.

وإن نويهاوسر (وهو طبيب نمساوي متخصِّص في الإخصاب، وقد جاء إلى الولايات المتحدة لإجراء أبحاثه وليمارس الطب في شبكة بوسطن آي في إف) يتوقَّع أنه سيتم -خلال سنوات ليست بالكثيرة- تحليل الأجنة بعمق واختيارها وتعديلها في بعض الحالات باستخدام تقنية كريسبر قبل استخدامها لبدء الحمل، وهو يقول: “في المستقبل، سيذهب الناس إلى العيادات ويختبرون جيناتهم وسيحصلون على طفل بأفضل صحة يمكنهم الحصول عليها، وأعتقد أن هذا المجال بأكمله سوف يتحوَّل من الإخصاب إلى الوقاية من الأمراض”.

ولتعديل الحمض النووي داخل خلايا الحيوانات المنوية، يستخدم الفريق إصداراً ذكياً جديداً من تقنية كريسبر يسمَّى التعديل القاعدي، الذي طوَّره عالم آخر من جامعة هارفارد يُدعى ديفيد لو. فبدلاً من تفكيك الحلزون المزدوج للحمض النووي، يمكن للتعديل القاعدي أن يغيِّر حرفاً جينياً واحداً من الجوانين (G) إلى الأدينوزين (A) على سبيل المثال، ويكفي أحد هذه التعديلات الجزيئية لتحويل النسخة الأكثر خطورة لجين ApoE إلى نسخة أقل خطورة.

ويقول نويهاوسر: “إنه تغيير لحرف واحد من الجوانين (G) إلى الأدينوزين (A)، وبهذا يتغيَّر الحال من (خطر) إلى (غير خطر)”.

رد فعل عنيف

من المجازفة التحدُّث إلى الصحفيين هذه الأيام حول كيفية تعديل الخط الإنتاشي، لكن نويهاوسر لم يتجنَّب أبداً الحديث عما يجري في المختبر.

ويعتبر نقص الشفافية أحد الأسباب التي تجعل التجربة الصينية مزعجة جداً، فقد تم إجراؤها سراً كما تم تجاهل القوانين الصينية التي تمنع مثل هذا العمل. يقول نويهاوسر: “المشكلة هي أن الأمور ستصبح أصعب بكثير بالنسبة إلى الآخرين الذين يتَّبعون القواعد عند التقدُّم بسرعة إلى الأمام دون الحصول على الموافقات المناسبة حتى، هذا هو السبب الرئيسي للقلق، ولا أعتقد أن البحث مثير للجدل، ولكن الجميع يوافقون على أنه يجب أن يظل بعيداً عن المرضى في الوقت الحالي”.

يدافع جورج دالي (عميد كلية الطب بجامعة هارفارد) عن شكل جديد من الطب يتم فيه تغيير الحمض النووي للأطفال.
حقوق الصورة: جامعة هارفارد

وقد لفت النقاش بالفعل انتباه الهيئات التنظيمية؛ إذ قال سكوت غوتليب (رئيس إدارة الغذاء والدواء الأميركية) في تغريدة له على تويتر مؤخراً بأنه “يجب أن يتم الحكم على بعض الاستخدامات العلمية بأنها لا تُحتمل، وتسبِّب استبعاد العلماء. ويجب أن يندرج استخدام كريسبر لتعديل الأجنة البشرية أو خلايا الخط الإنتاشي ضمن هذه الفئة”. وفي مقابلة له مع شركة بيوسنتشري، حدَّد غوتليب كذلك بأنه يجب للتقييد أن يُطبَّق إذا كانت الخلايا ستُستخدم “من أجل الإنجاب”.

وفي الوقت الحالي لا يمكن لغوتليب استبعاد بعض الأشخاص مثل نويهاوسر، وهم الذين يجرون أبحاثاً بسيطة؛ إذ لا تملك الحيوانات المنوية -مثل أجنة التلقيح الاصطناعي النقطية- الكثيرَ من الحقوق القانونية في الولايات المتحدة، ولكنه يستطيع تخويف العلماء وجعل عملهم أكثر صعوبة ودفعهم إلى العمل خارج البلاد.

ويعمل نويهاوسر بالفعل تحت العديد من القيود؛ إذ يُحظر التمويل العام لأبحاث الأجنة من المعاهد الوطنية للصحة، كما أن من غير القانوني أيضاً في ولاية ماساشوستس إنتاج أجنة لدراستها فقط، على عكس بعض الولايات الأخرى.

وهذا يعني أنه إذا حان الوقت لاختبار الحيوانات المنوية المعدَّلة بتقنية كريسبر لإنتاج جنين، فسيضطر البحث إلى الابتعاد عن بوسطن. وقد كان نويهاوسر في الصين مؤخراً لاستكشاف إمكانية إجراء أبحاث على الأجنة هناك، ولكن لم تؤتِ تلك الخطط ثمارها حتى الآن.

وفي الوقت الراهن، يعتبر مشروع الجين ApoE مثالاً بسيطاً لمحاولة اختبار التكنولوجيا وإمكاناتها في المختبر، وليس من المؤكد بعد إن كان تغيير هذا الجين سيؤدي إلى تغيير خطر إصابة الأطفال بمرض ألزهايمر في وقت لاحق من حياتهم. وعلى الرغم من وجود ارتباطات قوية جداً للجين ApoE بهذا المرض الدماغي، إلا أنه لا يوجد دليل راسخ على أنه هو السبب، حيث يقول نويهاوسر: “إنه أحد عوامل الخطر الرئيسية لمرض ألزهايمر، على الرغم من أنه لم يقم أحد بإثبات السببية. والهدف هو إظهار المبدأ”.

ولكن خفض خطر إصابة المولود الجديد بمرض ألزهايمر قد يكون أمراً عظيماً، وكذلك القدرة على إصلاح الطفرات التي تسبِّب مرض لو جيريج (وهو مرض آخر يتطلع إليه الفريق). ويتوقَّع نويهاوسر في النهاية أن يصبح من الروتيني تحسين الحمض النووي للحيوانات المنوية أو الأجنة -والأشخاص الذين يتحوَّلون إليهم عندما يكبرون- بطرق بسيطة.

ويقول ألان بنزياس (اختصاصي الغدد الصمَّاء الذي يشرف على الأبحاث في شبكة بوسطن آي في إف): “السؤال الكبير هو متى يكون الوقت مثالياً لذلك، وأنا أودُّ أن أقول إننا على بعد بضع سنوات، ولكن هذا يبدو قريباً جداً بالنسبة لي في الحقيقة. إنه أمر يسعدنا القيام به، ونود أن نفعله بطريقة مسؤولة”.

إنقاذ الأنواع

أجرى نويهاوسر مع شبكة بوسطن آي في إف استبياناً للأطباء ومئات المرضى حول رأيهم، ويقول: “بالنسبة لعلاج الأمراض أو الوقاية منها، يتفق الجميع إلى حدٍّ كبير”، أي أنهم يؤيدون ذلك.

ويضع الناس قيوداً لبعض الأمور مثل زيادة الطول أو تغيير لون العيون، مع وجود نسبة ضئيلة فقط تعتقد بأنها فكرة جيدة، ويعترف نويهاوسر بأن شخصاً ما قد يفعل ذلك أيضاً في نهاية المطاف. ويضيف: “سيكون هناك سوء استخدام، مثلها مثل أي تقنية، ولكن من المهم أن نعود إلى أسلوب عقلاني، وأن نعترف بأن هذا الأمر له إمكانات هائلة ومخاطر هائلة. والمشكلة هي أن الأمور تتوقف بشكل نهائي عندما يشعر الناس بالخوف، وهذا هو السبب في توتر الناس من هي جيانكوي، فهو يؤذي الآخرين”.

وبالنسبة لأي شخص يريد إنهاء هذا النوع من الأبحاث، فقد يكون لدى أطباء هارفارد استخدام أخير للتقنية؛ حيث يقولون إن تعديل الخط الإنتاشي قد يكون تقنية مهمة يجب إجراؤها من أجل الحضارة.

وماذا لو ظهر فيروس قاتل جديد وأخذ يكتسح العالم؟ ربما لن يكون هناك لقاح، ولكن بعض الناس سوف يكونون قادرين على مقاومته بفضل جيناتهم، كما تمكَّن البعض من تحمُّل الموت الأسود بشكل أفضل من غيرهم في العصور الوسطى. ألن نرغب عندها بأن يتم إعطاء الترياق الجيني لجميع أفراد الجيل القادم؟

ويقول نويهاوسر: “من المحتمل أن تتمكَّن هذه التقنية من إنقاذ الأنواع”، كما أشار دالي أيضاً في كلمته في هونغ كونغ إلى الدفاع المحتمل ضد الأمراض في المستقبل، حيث قال: “نحن -بصفتنا نوع من الأنواع- نحتاج إلى الحفاظ على المرونة لمواجهة التهديدات المستقبلية، وللسيطرة على صفاتنا الموروثة”.

المزيد من المقالات حول الصحة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!