Article image
مصدر الصورة: شركة كوبانج ذات المسؤولية المحدودة



تعتمد شركة التجارة الإلكترونية الكورية الجنوبية العملاقة كوبانج على الذكاء الاصطناعي حتى تعد عملاءها بخدمة توصيل شبه فورية.

2021-06-17 12:39:42

17 يونيو 2021

في وقت مبكر من صباح يوم 12 أكتوبر، 2020، عاد جانغ ديوك جون، البالغ من العمر 27 سنة، إلى المنزل بعد الانتهاء من نوبته الليلية في عمله لدى شركة التجارة الإلكترونية الكورية الجنوبية العملاقة كوبانج، ودخل إلى الحمام. كان يعمل في مستودع الشركة في مدينة دايجو الجنوبية لفترة تزيد قليلاً عن السنة، وهو ينقل الصناديق المليئة بالأغراض الجاهزة للشحن إلى مراكز التوصيل. وعندما لم يخرج من الحمام بعد مرور ساعة ونصف، فتح والده الباب ليجده فاقداً للوعي ومتكوراً على نفسه في حوض الاستحمام، قابضاً على صدره بذراعيه بشدة. على إثر هذا، نُقل إلى المستشفى بسرعة، ولكن بغياب النبض، وعجزه عن التنفس بمفرده، أعلن الأطباء وفاته في الساعة 9:09 صباحاً. وتبين لمحقق الوفيات أنه توفي بسبب نوبة قلبية.

لفتت قصة جانغ انتباهي لأنه كان ثالث شخص يموت من بين عمال كوبانج في ذلك العام؛ ما يؤدي إلى تفاقم المخاوف حول الطبيعة الحقيقية لنجاح الشركة. وفي الواقع، فإن الشركة حققت بالفعل نجاحاً مذهلاً، فقد صعدت حتى تصبح ثالث أضخم شركة من حيث عدد العاملين في كوريا الجنوبية خلال بضع سنوات وحسب، وتوسعت حتى تشمل شبكة هائلة من المستودعات، و37,000 عامل، وأسطولاً من السيارات بسائقيها، ومجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي، ما سمح لها باحتلال موقع متقدم في السوق التجارية التي تعج بالمنافسة في كوريا الجنوبية. يمكنك أن تجد كوبانج أينما حولت ناظريك في كوريا الجنوبية، فقد قام نصف السكان بتحميل تطبيقها، كما أن خدمتها “روكيت ديليفيري (التوصيل الصاروخي)” –تزعم الشركة أنها توصل 99.3% من الطلبات خلال 24 ساعة- أكسبتها سمعة ذائعة الصيت في التفوق على جميع الشركات الأخرى بأسلوب أمازون، بما في ذلك شركة أمازون نفسها.

أدى استخدام كوبانج للذكاء الاصطناعي إلى تقليل زمن التوصيل بدرجة مذهلة؛ حيث إن خوارزمياتها الخاصة بها تقوم بحساب كل شيء، بدءاً من الطريقة الأكثر فعالية لتكديس الرزم في شاحنات التوصيل، وصولاً إلى المسار المحدد وترتيب عمليات التوصيل للسائقين. وفي المستودعات، يقوم الذكاء الاصطناعي بتوقع عمليات الشراء ويحسب المواعيد النهائية لشحن الطرود الخارجة إلى وجهتها. وهو ما يسمح لكوبانج بأن تعد بالتوصيل خلال فترة أقل من يوم واحد لملايين الأغراض، بدءاً من كمامة وجه بقيمة 60 سنت وصولاً إلى كاميرا بقيمة 9,000 دولار. وبفضل هذه الابتكارات، أصبح لدى كوبانج ما يكفي من الثقة لتصف نفسها بأنها “مستقبل التجارة الإلكترونية“، كما أن هذه الابتكارات كانت العامل الأساسي لإطلاق الشركة على مؤشر ناسداك، الذي حدد قيمة الشركة بمقدار 84 مليار دولار، ما يجعلها أكبر عملية طرح أولي لأسهم شركة آسيوية منذ علي بابا في 2014.

ولكن، ماذا يعني كل هذا الابتكار والفعالية بالنسبة لعاملي الشركة؟

شركة التجارة الإلكترونية كوبانج

هذا هو السؤال الذي كنت أفكر فيه الصيف الماضي، قبل وفاة جانغ، عندما التقيت بعدة عمال توصيل ومستودعات في كوبانج. وعلى غرار جانغ، الذي قال لوالدته إن الشركة تعامل العمال مثل “أشياء للاستخدام مرة واحدة”، فإن جميع هؤلاء العمال تعرضوا إلى الآثار اللاإنسانية لابتكارات كوبانج الخوارزمية. فقد تحدث بعضهم عن وتيرة العمل المؤلمة المتعلقة بالتوقعات الخارقة لأوقات التوصيل. وقال آخرون إنه من الصعب حتى الذهاب إلى الحمام أثناء العمل؛ ففي 2014، وعندما بدأت كوبانج بتقديم خدمة روكيت ديليفيري، خدمة التوصيل عند الطلب، وعدت الجميع بمهن مستقرة مع حوافز فوق الوسط، حتى لأقل العمال مرتبة. ولكن، وبطريقة ما، تحول العمال بالتدريج إلى ما أطلق عليه الصحافي العمالي الكوري تسمية “أذرع وأقدام الذكاء الاصطناعي”.

وليس من قبيل الصدفة أن الكثير من هذه الانتقادات تماثل ما تتحدث عنه التقارير من ظروف العمل في أمازون. فعلى الرغم من أن كوبانج تأسست في 2010 كمنصة صفقات شبيهة بجروبون، فقد انتقلت إلى نموذج التوصيل المتكامل عمودياً لأمازون في 2014، متعهدة بأنها ستصبح “أمازون كوريا”. وهكذا، واجهت نفس المشاكل المتعلقة بالعمال.

عمل صعب، عند الطلب

يعود سبب نجاح روكيت ديليفيري إلى الثقة والتأكد، أي الوعد بأن خوارزميات كوبانج ستحدد بالضبط توقيت خروج دفعة طلبيات من المستودع لضمان وصولها إليك في الوقت المناسب. وفي مستودعات الشركة، تُحدد مواعيد التوصيل النهائية هذه كل ساعتين تقريباً

خلال الوباء، تزايد عدد الإصابات الناجمة عن الالتزام الهستيري بالفعالية الفائقة؛ فمن 2019 إلى 2020، تزايدت الإصابات والأمراض المتعلقة بالعمل في كوبانج ومستودعاتها إلى الضعف تقريباً لتصل إلى قيمة 982 حالة.

يقول جو جيون، وهو أحد من أجريت معهم مقابلة من عمال المستودعات السابقين: “عندما بدأت العمل هناك، أدركت أن الأولوية الوحيدة هي توصيل طلبيات خدمة روكيت ديليفري قبل مواعيدها النهائية. لقد كنا مجرد روبوتات” أخذ جو إجازة طبية من عمله في كوبانج في مايو 2020 بعد أن مزق عضلة العرقوب اليسرى أثناء الجري في محاولة للالتزام بأحد المواعيد النهائية. ومنذ ذلك الحين، تخلت الشركة عنه.

وعلى غرار أمازون، استخدمت كوبانج واحدة “الوحدة في الساعة” (UPH اختصاراً) كمعيار لقياس إنتاجية العمال في الزمن الحقيقي، والحفاظ على وتيرة العمل المنهكة في مستودعاتها. وعلى الرغم من أن السياسة الرسمية تقضي بإعطاء العمال ساعة استراحة واحدة لكل نوبة تدوم ثماني ساعات -وهو الحد الأدنى المفروض قانونياً للاستراحة- فإن أحد السائقين الذين التقيت بهم في سبتمبر الفائت أخبرني بأن معظم العمال كانوا ببساطة يتجاهلون وقت الاستراحة ويتابعون العمل للحفاظ على التزامهم بالجدول الزمني. ولم يعد يعمل مع الشركة. وفي تصريح بالبريد الإلكتروني لإم آي تي تكنولوجي ريفيو، قال ناطق رسمي باسم كوبانج إن الشركة توقفت عن متابعة سير العمل باستخدام UPH في مستودعاتها. غير أن أحد العمال الذين ما زالوا مع الشركة أخبرني مؤخراً بأن بعض مدراء المستودعات ما زالوا يراقبون وتيرة العمل بهذه الطريقة بصورة علنية. ويقول: “لقد توقفوا عن استخدام مصطلح UPH إلا فيما ندر. ولكنهم ما زالوا يوبخون العمال بذريعة البطء، وذلك بناء على ما يُفترض أنه دليل قاطع ما”.

وخلال الوباء، الذي حققت فيه كوبانج أرباحاً طائلة، تزايد عدد الإصابات الناجمة عن الالتزام الهستيري بالفعالية الفائقة؛ فمن 2019 إلى 2020، تزايدت الإصابات والأمراض المتعلقة بالعمل في كوبانج ومستودعاتها إلى الضعف تقريباً لتصل إلى قيمة 982 حالة. ومنذ النوبة القلبية القاتلة التي أصابت جانغ ديوك جون، توفي ثلاثة عمال آخرين في كوبانج بسبب ما وصفه ناشطون عماليون بالعمل المفرط (على الرغم من عدم وجود أحكام رسمية حول وفياتهم).

وبالرغم من المخاوف التي أثارتها هذه الوفيات، فإنها لم تؤثر قيد أنملة على عمليات كوبانج. وعلى العكس، يبدو أن الشركة تبني ازدهارها على استخفافها بعمالها. ومع أن الشركة توظف عمالها بشكل مباشر بدلاً من الاستعانة بمتعاقدين فرعيين، فإن التقارير تقول إن أغلبيتهم يعملون على أساس يومي بتقديم طلب توظيف في الليلة السابقة باستخدام تطبيق “كوبانش”، أو على أساس عقود مؤقتة تدوم عادة عدة أشهر. وتسمح هذه المرونة لكوبانج بتكييف تكاليف العمالة لديها مع تقلبات العمل والحفاظ على انتظام المصاريف.

شركة التجارة الإلكترونية كوبانج

مصدر الصورة: شركة كوبانج ذات المسؤولية المحدودة

غير أن التهديد بالفصل من العمل يخيم دائماً على العمال؛ فقد قال لي العمال إن الشركة معروفة بإيقاف تمديد عقود العمل للذين يعبرون عن معارضتهم لسياسات الشركة، أو يقومون بالإبلاغ عن إصابة عمل، أو يفشلون في تحقيق متطلبات الإنتاجية.

وفي تصريح لإم آي تي تكنولوجي ريفيو، قالت كوبانج إن الشركة “تمتثل لقانون معايير العمل في جميع النواحي، بما في ذلك التوظيف والفصل من العمل، وإن معدل تجديد عقود العاملين يتجاوز 90%”، غير أن المحاكم أصدرت من قبل حكماً يقول إن الشركة فصلت أحد العمال بشكل ظالم بعد أن أبلغ عن إصابة عمل.

وقد أخبرني جيون وو أوك، الذي كان يعمل في أحد المستودعات: “عند التوظيف، يخبرك مسؤولو الشركة بكل وضوح أنك لن تحصل على تجديد في العقد إذا تسببت في أي مشكلة”.

وتعبر وفاة جانغ عن مدى الاستغلال الذي يتعرض له العمال في هذا الاتفاق؛ فقد كان جانغ يعمل على أساس يومي، ويقدم طلبات للعمل في ورديات كل ليلة باستخدام كوبانش، ولهذا فقد كان يشعر بالقلق والتوتر حول حالته الوظيفية المتقلقلة. ولكنه كان يأمل بالمحافظة على علاقة جيدة مع الشركة، ومحاولة الحصول على وظيفة دائمة، كما أخبرتني والدته بارك مي سوك. وفي الأشهر التي سبقت وفاته، كان يعمل في الوردية من الساعة 7 صباحاً إلى 4 ظهراً، إضافة إلى العمل لوقت إضافي بشكل متكرر لما يصل إلى 59 ساعة خلال سبعة أيام متتالية، ويكسب الحد الأدنى من الأجور (ما يكافئ حوالي 7.6 دولار في الساعة). وتقول بارك: “كان يصل إلى قمة الإنهاك في نهاية كل موعد نهائي”.

في 2019، قامت كوبانج بتعزيز خدمة التوصيل الليلية التي تعرض توصيلات مضمونة في الساعة 7 صباحاً للطلبات من الأمسية السابقة، وازداد عدد المواعيد النهائية في الوردية الليلية الاعتيادية في مستودع دايجو من حوالي 3 إلى 7، وفقاً لأحد العمال. وقد كان الالتزام بالمواعيد النهائية عبئاً جسدياً مرهقاً. وعلى الرغم من أن جانغ كان رياضياً متين البنية، فقد خسر من وزنه حوالي 30 رطلاً منذ بدأ العمل في كوبانج في يونيو من العام 2019، وفقاً لبارك. وأضافت أن فقدان الوزن السريع أدى إلى ظهور التجاعيد على وجهه.

في فبراير، عَزَت حكومة كوريا الجنوبية وفاة جانغ إلى الإفراط في العمل بشكل رسمي. ولحظ التقرير النهائي حول وفاته أن جثته كانت تحمل دلالات تحلل عضلي شديد. وهكذا، أصدرت كوبانج اعتذاراً ووعدت بتحسين ظروف العمل، مثل زيادة الفحوصات الطبية للعاملين.

وفي تصريح بالبريد الإلكتروني، أشار ناطق رسمي باسم كوبانج إلى أن وفاة جانغ هي الوفاة الوحيدة المتعلقة بالعمل -رسمياً- في تاريخ الشركة. كما قال إن استثمارات الشركة الجديدة في مجال أتمتة المستودعات “أدت إلى زيادة الفعالية وتخفيف ضغط العمل على العاملين”.

مخاوف عالمية

قد يبدو كل هذا مألوفاً لمن يتابعون عمل أمازون، حيث أبلغ سائقو مراكز التوصيل في الشركة عن مشاكل شبه مطابقة لما بدأ يظهر الآن في كوبانج. وقد تعرضت أمازون أيضاً إلى الانتقادات بسبب وتيرة العمل المرهقة التي تؤدي إلى معدلات عالية من الإصابات، واستخدام الخوارزميات لمراقبة العمل وفصلهم، ومتطلبات الإنتاجية التي تصل إلى مستويات قمعية تعامل العمال مثل الروبوتات، ونموذج أعمال يبدو أنه يعتمد على الاستخفاف بالعمالة.

وفي الولايات المتحدة، أدى السخط على هذه الظروف إلى تحرك عمالي تاريخي في مركز التوزيع التابع لأمازون في بيسيمير بألاباما في وقت سابق من هذه السنة. ويقول ناشط التنظيم العمالي ستوارت أبلبوم، وهو رئيس اتحاد التجارة بالتجزئة وبالجملة والمتاجر الكبيرة (RWDSU)، إن العمل في مستودعات الشركة يسير وفق وتيرة “لا يمكن احتمالها” وأكمل شارحاً: “إن المحور الحقيقي لهذه القضية هو مستقبل العمل؛ لقد تولت الخوارزميات إدارة الناس، وأصبحت التطبيقات على هواتفهم مسؤولة عن ضبطهم، وتحولت الرسائل النصية إلى وسيلة لفصل العاملين من وظائفهم. لقد طفح الكيل بالناس”. أما أمازون، فقد استجابت بطريقة تتماشى مع تاريخها الطويل من النشاطات المضادة للتحركات العمالية، مثل مراقبة العمال وترهيبهم، فأطلقت حملة خاطفة واسعة النطاق ضد هذا التحرك العمالي، كما أنكرت في الوقت  نفسه ادعاءات سائقي التوصيل لديها بأنهم مجبرون على التبول في زجاجات. بعد ذلك بفترة، تراجعت أمازون عن إنكارها لهذه التقارير، ولكنها فازت بتصويت بيسيمير في نهاية المطاف.

وفي رسالة إلى حملة أسهم أمازون نُشرت بعد فترة قصيرة من تصويت الاتحاد العمالي في أوائل أبريل، أعلن جيف بيزوس أن الشركة ستطلق “برنامج تدوير العمل” الجديد لمعالجة مشكلة ارتفاع معدل الإصابات. وكما كتب بيزوس، فإن البرنامج سيستخدم “خوارزميات معقدة لتدوير الموظفين بين الأعمال التي تعتمد على مجموعات مختلفة من العضلات والأوتار لتقليل الحركة التكرارية والمساعدة على حماية الموظفين من مخاطر الإصابات العضلية الهيكلية”. غير أن هذا المخطط ينطوي على مشكلة كبيرة، تتلخص في اعتبار الإصابات مجرد مشكلة فعالية بدلاً من اعتبارها دلالة خطيرة على خلل عميق؛ ففي الجوهر، تبدو الخطة أبعد عن حل جدي لمشكلة العمل المفرط، وأقرب إلى امتداد لإدارة شمولية ومهووسة بالأداء ومتابعة أدق التفاصيل، التي أدت إلى ظهور المشكلة في المقام الأول.

وفي تصريح بالبريد الإلكتروني لإم آي تي تكنولوجي ريفيو، رفض ماكس جليبر الناطق باسم أمازون تقديم تفاصيل إضافية عن البرنامج. وأضاف: “إن عمليات المسح التي نجريها مخصصة لمتابعة حركة البضائع، لا الأشخاص”. “نحن ندرك أن هذه الأعمال تتطلب جهداً بدنياً كبيراً، ولكننا نبذل كل ما في وسعنا لضمان سلامة العاملين وصحتهم”.

شركة التجارة الإلكترونية كوبانج

مصدر الصورة: شركة كوبانج ذات المسؤولية المحدودة

وعلى الرغم من فشل هذا التحرك العمالي، فقد بين أن الأساليب الحالية المتبعة لوقاية العمال غير قادرة على مجاراة مستقبل العمل الذي تحدث عنه أبلبوم. ينطبق نفس الشيء على كوريا الجنوبية؛ حيث تمكنت كوبانج من استغلال الثغرات في قانون العمالة في كوريا الجنوبية حتى ترتبط مع عمالها بعقود غير موثوقة -ما يقلل من احتمال تجمعهم في تنظيم عمالي- مع إرهاقهم بأعباء عمل متزايدة.

عندما باشرت تحقيقاتي حول كوبانج في الصيف الماضي، التي بدأت كاستقصاء حول سوء تعامل الشركة مع انتشار كوفيد-19 في أحد مستودعاتها، لم يقتصر ذهولي على مدى تماثل مشاكل عمالها مع عمال أمازون، بل شعرت بالدهشة أيضاً إزاء إدراك عمال كوبانج على الفور أن معركتهم لم تكن ضد شركة محلية مسيئة وحسب، بل ضد فكرة التوصيل فائق السرعة بحد ذاتها.

فلطالما كررت كوبانج نفس العبارة لمواجهة الانتقادات حول ممارساتها المتعلقة بالعمال، وهي أن نموذج التوظيف المباشر للشركة يسمح لها بتقديم حوافز أفضل مقارنة بالشركات الأخرى في هذه الصناعة. غير أن دفع مبلغ إضافي صغير مقابل عمل يفتقر إلى الانسانية لن يجعل هذا العمل أفضل، كما أن العمال الذين تحدثت معهم قالوا إن هذا النوع من الحلول لن يحقق أي تقدم ملموس. وقد قال لي جو جيون، عامل المستودع السابق: “إن مصدر كل هذه المشاكل هي المواعيد النهائية للتوصيلات وخدمة روكيت ديليفيري. هذه نقطة البداية لكل ما يحدث”. ولهذا، لم يكتف اتحاد سائق كوبانج بالدعوة إلى تحسينات تراكمية في ظروف العمل أو الأجور، بل دعا الشركة إلى التراجع عن ضمانات التوصيل التي تفرض معايير صارمة للغاية على العمل.

وبعد أن ترك جو كوبانج، أسس مجموعة دعم لعمال المستودعات للشركة. وقد أخبرني أنه شعر بنوع من الزمالة تجاه عمال أمازون بعد أن أدرك أنهم يعانون بنفس الطريقة. ويقول: “سيكون من الرائع إطلاق حملة مشتركة” وبالرغم من أنها كانت مجرد ملاحظة عابرة، فقد بدت كرؤية هامة؛ حيث إن تحدي نموذج عالمي واحد يقود اقتصاد التجارة الإلكترونية حول العالم قد يتطلب نوعاً من التضامن العالمي بين العمال.

معضلة وجودية

على الرغم من وعود كوبانج بمعالجة مشاكل العمال، فإن الأجواء الاقتصادية المحيطة بها أصبحت عصيبة أكثر من ذي قبل خلال الوباء. فقد توسعت التجارة الإلكترونية بشكل انفجاري حول العالم بسبب إغلاق المتاجر والتباعد الاجتماعي، ومن المتوقع أن تسجل هذه الصناعة مبيعات عالمية هائلة بحلول نهاية العام 2021 بقيمة 5 تريليون دولار تقريباً.

وفي نشرتها التمهيدية أثناء الطرح الأولي للأسهم، اعترفت كوبانج بأنها تعاني من معضلة وجودية أساسية، وهي السعي نحو تحقيق “السرعة والوثوقية” -وهما ركيزتا نموذج الأعمال- مع التحكم في تكاليف العمالة في الوقت نفسه، وهي التي تزايدت بمقدار 14 ضعفاً من 2014 إلى 2020. (وفي هذه الأثناء، لم تحقق الشركة ربحاً مع روكيت ديليفيري).

كيف يمكن النظر إلى هذا التوازن من وجهة نظر أقرب إلى حقوق العمال؟ وهل يمكن الحفاظ على خدمة التوصيل السريع مع مراعاة صالح العمال؟ طرحت هذه الأسئلة مؤخراً على جانغ كوي يون، وهي باحثة في مجال العمالة في معهد أبحاث حقوق العمال. وعندما تحدثت إليها في السنة الماضية، أجرت مقارنة بين مستودعات كوبانج والورشات الشهيرة التي تعود إلى السبعينيات في كوريا الجنوبية.

وقالت لي: “أعتقد أن النظام اللوجستي بحد ذاته يحتاج إلى تغيير شامل. إن حق العمال في الاستراحة والعناية بالصحة يجب أن يوضع كشرط مسبق ثابت، ومن ثم يجب أن تقوم الخوارزميات بناء على هذا بحساب السرعة الممكنة لتوصيل الطلبات”.

غير أنه من شبه المستحيل، بطبيعة الحال، أن شركة تجارة إلكترونية ستختار طوعاً أن تعمل بشكل أكثر بطئاً إذا كان عملها بالكامل مبنياً على السرعة. وحتى لو قررت كوبانج تغيير مقاربتها، فإن الوعد بالتوصيل شبه الفوري أدى إلى تكرار نفس المشكلة في كل مكان؛ فقد بدأت العديد من الشركات المنافسة، مثل شركة الإنترنت العملاقة نيفر وسلسلة المتاجر الضخمة شينسيجاي جروب، بمحاولة مجاراة كوبانج، وذلك بإطلاق وعود بتوصيل البضائع بسرعات متزايدة باستمرار، بشكل سيؤدي دون شك إلى زيادة العبء على عمال تلك الشركات. إضافة إلى ذلك، فقد توفي أكثر من 12 سائق توصيل لشركات أخرى أثناء العمل في العام الماضي. وقد عزت العائلات ومسؤولو التنظيمات العمالية هذه الوفيات إلى العمل المفرط، تماماً كما حدث مع جانغ ديوك جون.

وفي الولايات المتحدة، فإن اشتداد المنافسة ضد أمازون -فقد بدأت والمارات، على سبيل المثال، بعرض خدمة التوصيل في نفس اليوم- يشير إلى احتمال تكرار نفس النتائج؛ لقد أدت هذه الشركات إلى تغيير توقعات المستهلكين، وأخفت التكاليف الحقيقية عنهم، في حين أن الكثير من العمال المعرضين لخطر البطالة بسبب الوباء عاجزون عن البحث عن عمل آخر بظروف أكثر إنسانية.

قد توجد طريقة ما لتحقيق نظام التوصيل فائق السرعة بشكل أخلاقي، ربما بأجور أعلى، وبروتوكولات صحية أكثر صرامة، واستئجار عدد أكبر بكثير من العمال. غير أن قصة كوبانج -وقصص عمالها- تشير إلى أن هذا النظام قد يعاني من خلل جوهري. وفي المحصلة، من الصعب أن نستوعب كيفية تحقيق التوصيل السريع بشكل مضمون دون زيادة أعباء العمل المرهق في ظروف لاإنسانية على العمال الذين يقومون بالأعمال المجهدة بشكل مباشر. وكما قال لي أحد السائقين السابقين: “إنه نموذج يستحيل أن ينجح دون تخفيضات كبيرة في تكاليف العمالة”.