Article image
سيارات مهجورة غمرتها المياه في أعقاب عاصفة ضربت مدينة ديترويت الأميركية عام 2014.
مصدر الصورة: جوشوا لوت | عبر صور جيتي



لم يتم بناء المضخات والأنابيب المخصصة لتصريف مياه الأمطار، لمواجهة العواصف الشديدة التي يغذيها التغير المناخي.

2021-08-15 09:36:21

15 أغسطس 2021

في مواجهة التغير المناخي، تعمل المدن الأميركية على تعزيز دفاعاتها ضد الفيضانات، وبناء وتحديث المضخات ومصارف المياه (البالوعات) وغيرها من البنى التحتية.

وفي الكثير من الأحيان، تكون الأنظمة المستخدمة في تلك المدن عتيقة ومبنية في الأساس لتتلاءم مع مناخ الماضي. كما أن عمليات التحديث لا يمكنها أن تفعل الكثير للتخفيف من وطأة الفيضانات الشديدة التي أصبحت أكثر تكراراً؛ الأمر الذي يدفع المدن لابتكار حلول أخرى.

في الولايات المتحدة، ضربت الفيضانات خلال الأسابيع الأخيرة مدينة نيويورك ومدينة فلاجستاف بولاية أريزونا. أما في ألمانيا وبلجيكا، فقد أزالت الفيضانات بلدات بأكملها وتركت أكثر من 1,000 شخص في عداد المفقودين.

كما غمرت الأمطار مدينة ديترويت خلال عاصفة وقعت في يونيو الماضي، ما تسبب في إغراق الشوارع والمنازل بعدما فاقت المياه طاقة أنظمة التصريف. وتلقت المدينة أكثر من 23,000 بلاغ بوقوع أضرار، وذكرت وسائل الإعلام المحلية أن المياه دمرت أقبية المنازل وجرفت السيارات بعيداً.

وفي مؤتمر صحفي عُقد بعد انتهاء العاصفة، قالت سو ماكورميك الرئيسة التنفيذية لهيئة مياه البحيرات العظمى، التي تدير خدمات الصرف الصحي في ديترويت والمنطقة المحيطة بها: “لم نشهد شيئاً مماثلاً قط”.

والمراكز الحضرية أكثر عرضة للفيضانات من المناطق الأخرى؛ لأن شوارعها ومبانيها ومواقف السيارات بها غير منفذة للمياه، أي أن المياه لا يمكنها أن تتسرب إلى الأرض بالطريقة التي تتسرب بها في الغابات أو الأراضي العشبية. وبدلاً من ذلك، فإنها تستمر في التدفق.

وديترويت -شأنها شأن العديد من المدن القديمة- تتعامل مع تدفق مياه الأمطار عن طريق تجميعها مع مياه الصرف الصحي. ثم يتم نقل هذا المزيج إلى محطات المعالجة. وخلال العاصفة الأخيرة، أدت انقطاعات التيار الكهربائي والمشاكل التقنية إلى تعطيل أربعة من 12 مضخة في محطتي ضخ رئيسيتين.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أنفقت هيئة المياه 10 ملايين دولار لتحديث هاتين المحطتين فقط، علاوة على مئات الملايين التي أُنفقت على إدخال تحسينات أخرى. بيد أن تحديث نظام الصرف الصحي بالكامل سيتطلب بناء شبكة منفصلة لمياه الأمطار بتكلفة تزيد عن 17 مليار دولار.

من جانبه، يقول ميخائيل تشيستر، الباحث في شؤون البنية التحتية والسياسات في جامعة ولاية أريزونا، إن البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار في جميع أنحاء البلاد تتقادم، ما دفع العديد من الحكومات إلى اللجوء لحلول مؤقتة بدلاً من بناء أنظمة أكثر قدرة على التحمل. ويضيف أن الأنظمة الميكانيكية والكهربائية لا بد أن تتعطل بين الحين والآخر أثناء العواصف الكبرى.

وحتى لو عملت محطات الضخ بشكل مثالي، فإنها قد لا تمنع الفيضانات المدمرة.

طرازات عفا عليها الزمن

صُممت محطات الضخ في ديترويت -على غرار الكثير من البنى التحتية المصممة لتصريف مياه الأمطار- للتعامل مع “عاصفة الـ 10 سنوات”، وهو مقياس لكمية الأمطار التي تهطل في الساعة، والتي تبلغ احتمالية حدوثها مرة واحدة من كل 10 مرات في أي سنة معينة. ووفقاً لبيانات هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية، فإن معدل هطول الأمطار خلال “عاصفة الـ 10 سنوات” في منطقة ديترويت يصل إلى حوالي 1.7 إنش (4.3 سم) في الساعة.

ووفقاً لهيئة المياه، فقد شهدت بعض مناطق ديترويت خلال عاصفة يونيو الماضي مستويات مرتفعة من الأمطار بشكل يجعلها أقرب لسمات “عاصفة الـ 1000 عام”؛ حيث وصلت الأمطار إلى أكثر من 3.7 إنش (9.4 سم) في الساعة، وهو ما يتخطى قدرات محطات الضخ بشكل كبير.

لكن آن جيفرسون، عالمة المياه في جامعة ولاية كينت، تقول إن التنبؤات الخاصة بهطول الأمطار تستند إلى بيانات تاريخية قد لا تمثل الاحتمالات الحقيقية لحدوث العواصف الكبرى. والعواصف -التي يُفترض أن احتمالية حدوثها تبلغ مرة واحدة من كل 10 مرات في أي سنة معينة- من المرجح أن تحدث الآن بوتيرة أكبر بسبب تغير المناخ. وتوضح أن عدداً قليلاً من الهيئات تأخذ تغير المناخ في الحسبان عند تصميم البنى التحتية الخاصة بها.

وتقول جيفرسون: “نحن نعزل أنفسنا في مناخ ماضي”.

كما تواجه الحكومات -التي تأمل في وضع تغير المناخ في حسبانها عند تصميم البنى التحتية- حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كان يتعين عليها التخطيط لحدوث أفضل سيناريوهات الانبعاثات أم أسوأها؟ بالإضافة إلى أنه من الصعب التنبؤ بدقة بكيفية تأثير الانبعاثات على هطول الأمطار.

ويقول تشيستر إن التخطيط لوقوع عواصف أقوى هو هدف جدير بالإعجاب إلا أنه مكلف، فالمضخات والأنابيب الأكبر حجماً أكثر تكلفة في بنائها وأصعب في تركيبها. ويضيف أن الزيادات في أسعار هذه الأشياء ليست زيادات خطية؛ إذ إن الأنبوب أو المضخة ذا السعة المضاعفة سيرتفع ثمنه بأكثر من الضعف في أغلب الأحيان.

تقدم سريع

تواجه المدن الساحلية تهديدات مناخية أشد خطورة؛ لذا، تستثمر بعضها بقوة لدرء هذه التهديدات. فقد أنفقت مدينة تامبا بولاية فلوريدا 27 مليون دولار على تحديث محطات الضخ وغيرها من البنى التحتية بعد الفيضانات الكبيرة التي ضربت المدينة في عامي 2015 و2016، بحسب ما أوردته صحيفة تامبا باي تايمز. ويبدو أن بعض هذه التحديثات كانت ناجحة، فقد تجنبت المدينة -على الأقل هذا العام- الفيضانات خلال العواصف الكبرى مثل إعصار إلسا.

ومع ذلك، فإن مستويات سطح البحر الآخذة في الارتفاع على طول ساحل تامبا قد تغطي قريباً منافذ المضخات. وإذا وصلت مستويات سطح البحر إلى المكان الذي من المفترض أن تخرج منه المياه من أنابيب التصريف، فلن يتمكن النظام من إزالة المياه من المدينة.

وتتطلع بعض المدن إلى وضع عناصر أخرى (مثل برك مياه الأمطار وحدائق الأمطار) للمساعدة في إدارة الفيضانات التي تحدث في المناطق الحضرية. وتقول جيفرسون إن المساحات العشبية، مثل حدائق الأمطار، يمكنها أن تقلل من كمية وسرعة المياه الزائدة. وتضيف أنه إذا تم بناء ما يكفي من تلك المرافق في الأماكن المناسبة، فإنها يمكن أن تساعد على منع الفيضانات الأصغر حجماً. ومع ذلك، فإنها -وعلى غرار غيرها من البنى التحتية المصممة لتصريف مياه الأمطار- لا تكون مصممة عادةً لإيقاف الفيضانات أثناء العواصف الأكبر حجماً.

أما بالنسبة للأحداث المناخية الأكثر تطرفاً، فتوضح جيفرسون أنه لا يوجد الكثير مما يمكن عمله سوى الابتعاد عن الطريق. وبدلاً من اتخاذ تدابير تتزايد باطراد للسيطرة على الفيضانات، يمكن للحكومات شراء الأراضي المعرضة للفيضانات وإبقائها شاغرة أو إيجاد استخدامات مناسبة لها. ويشير تشيستر إلى أن الحكومات المحلية في هولندا أطلقت مبادرة مساحة للنهر (Room for the River) لزيادة المناطق العازلة حول الأنهار، وتغيير طريقة استخدام المناطق المعرضة للفيضانات؛ لذا، فقد حلت المزارع مكان المنازل في تلك المناطق، وتقدم الحكومة تعويضات للمزارعين إذا دمرت الفيضانات محاصيلهم.

في حين يمكن للمدن بناء أو تحديث الأنابيب والمضخات وحدائق الأمطار، فإن تغير المناخ يعمل على تغيير الظروف الطبيعية سريعاً، وهو ما يشكل تحدياً للبنية التحتية التي تم بناؤها لتستمر لعقود.

ويقول تشيستر: “لقد دخلنا الآن في هذا النموذج الجديد الذي تتغير فيه البيئة بسرعة، بينما لم يتم تصميم بنيتنا التحتية للتغير السريع. وهذان الأمران على طرفي نقيض مع بعضهما البعض”.