Article image
دار كريستي للمزادات العلنية تبيع لأول مرة قطعة فنية قام الحاسوب بتوليدها، "صورة شخصية لإدموند بيلامي"، بمبلغ 432,500 دولار.
مصدر الصورة: استوديو أوبفيوس الفني
Article image دار كريستي للمزادات العلنية تبيع لأول مرة قطعة فنية قام الحاسوب بتوليدها، "صورة شخصية لإدموند بيلامي"، بمبلغ 432,500 دولار.
مصدر الصورة: استوديو أوبفيوس الفني

الذكاء الاصطناعي

"صورة شخصية لإدموند بيلامي" تجني الكثير من الأموال، ولكن لمن يعود الفضل في هذا فعلياً؟

من “إنماء” الماس في المختبرات إلى العطور التي تركبها الحواسيب، ومن استخدام الأدوات التقنية للتزيين وصولاً إلى تصنيع الويسكي، أصبح من الصعب أن نجد أي نوع من البضائع والأشياء لم يتعرض لاختراق الروبوتات.

ويبدو أن هذه التقنيات واصلت امتدادها لتصل إلى الفن أيضاً. فمنذ فترة وجيزة، باعت دار المزادات العلنية البريطانية كريستي -ولأول مرة- قطعة فنية من إنتاج الحاسوب باسم “صورة شخصية لإدموند بيلامي”. تم تصميم القطعة من قِبل مجموعة فنية فرنسية باسم أوبفيوس، وقد وصل سعرها إلى مبلغ ضخم يساوي 432,500 دولار، أي ما يعادل تقريباً 45 ضعف من قيمتها التقديرية، مما يشير إلى وجود من يأخذ هذا النوع من الفن بجدية تكفي لدفع مبلغ كهذا، على الرغم من وجود آخرين ممن ينظرون إلى الفن الذي تولده الحواسيب باستعلاء.

قامت خوارزمية بتشكيل اللوحة، وذلك بمسح مجموعة من الصور الشخصية التاريخية، وبناء صورة جديدة بنفسها طُبعت بعد ذلك على لوحة قماشية. وفي منشور مدونة حول عملية البيع، قالت دار كريستي إن الذكاء الاصطناعي قد يمثل مستقبل الفن، وأضافت أن الذكاء الاصطناعي “قادر على نمذجة تاريخ الفن” بمسح تسلسل زمني كامل من القطع الفنية، بحيث يبين “كيف أن قصة ثقافتنا البصرية بأكملها كانت عبارة عن حتمية رياضية”.

ولكن مبيع اللوحة يثير المزيد من التساؤلات حول تعريف الفن، وما يمكن اعتباره فناً حقيقياً أو أصلياً، خصوصاً عندما تظهر الخوارزميات في الصورة… بكل ما في الكلمة من معنى.

كيف قام حاسوب بتشكيل قطعة فنية؟

تم تصميم “صورة شخصية لإدموند بيلامي” من قِبل أوبفيوس، وهو استوديو بحثي للذكاء الاصطناعي يديره ثلاثة باحثين بعمر 25 سنة: هيوجو كاسيل – دوبري، بيير فوتريل، وجونثر فيرنيير. ويستخدم أوبفيوس تقنية من الذكاء الاصطناعي تسمى الشبكات التوليدية التنافسية، أو “جان GAN” اختصاراً.

يقوم النظام بدراسة نقاط البيانات، وهي في هذه الحالة مجموعة من الصور الشخصية التاريخية، ومن ثم تشكيل صورة خاصة به بناء على ما تعلمه. وهي نفس الطريقة التي تستخدمها آي بي إم لابتكار عطور جديدة بالاعتماد على وصفات من شركة العطور العالمية سيمرايز، ونفس الطريقة التي قام بها علماء البيانات بتشكيل أكثر من 15,000 قطة على الإنترنت بالذكاء الاصطناعي باستخدام شيء يسمى “مولد مياو”.

تم تصميم “صورة شخصية لإدموند بيلامي” باستخدام تقنية في الذكاء الاصطناعي تسمى الشبكات التوليدية التنافسية.
مصدر الصورة: أوبفيوس

شرح كاسيل – دوبري لدار كريستي أن أوبفيوس “قام بتلقيم النظام بمجموعة بيانات مؤلفة من 15,000 صورة شخصية مرسومة ما بين القرن الرابع عشر والقرن العشرين”.

أما النتيجة فهي إدموند، وهو رجل (خيالي) يرتدي معطفاً داكناً مع ياقة بيضاء. وتبدو هذه اللوحة كأنها صورة شخصية لأحد نبلاء أوروبا، من النوع الذي يمكن أن تراه في متحف ميتروبوليتان أو اللوفر. وتلحظ دار كريستي أيضاً وجود “مسحة معاصرة غريبة” في إدموند، وهو ما يعزوه كاسيل – دوبري إلى وجود “التشويش” ضمن القدرات الفنية للذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى غشاوة الوجه. وقد تم توقيع الصورة بالمعادلة الرياضية المستخدمة لتشكيلها.

قام أوبفيوس بتشكيل 11 صورة شخصية لعائلة بيلامي الخيالية، وتحمل كل منها عبارة غريبة نوعاً ما. وعلى سبيل المثال، فإن صورة مدام دي بيلامي -التي تتمتع ببشرة فاتحة وترتدي فستاناً بلون أزرق فاتح وقبعة مناسبة- تحمل العبارة التالية: “من قال إن عدم امتلاك روح أمر سيئ؟ إن هذا يجعل مني واسعة الأفق، ومتكيفة، ومتهورة”.

وتحوي جميع هذه الصور وجوهاً مغشاة مثل إدموند، وهي غامضة الشكل بما يكفي حتى تًعتبر صوراً لنبلاء من عدة بلدان.

ويعتقد ريتشارد لويد (وهو المدير العالمي لدائرة الطباعة والنشر في دار كريستي) أنه توجد سوق كبيرة للأعمال الفنية التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، وهو ما يبرهن عليه المبلغ الذي دُفع من قِبل مشتري لوحة إدموند، والذي ما زال مجهولاً حتى اللحظة. يقول لويد (وقد كان مسؤولاً عن عملية البيع): “إنها صورة شخصية على أي حال. صحيح أنها لم تُرسم من قِبل فنان يرتدي باروكة تحمل البودرة، ولكنها مطابقة تماماً للأعمال الفنية التي نبيعها هنا منذ 250 سنة”.

أهذا فن حقاً؟

عندما بدأت تظهر الماسات المصنعة مخبرياً في الأسواق منذ بضعة سنوات أثارت ضجة كبيرة، خصوصاً بين كبار المتعاملين في السوق، مثل دي بيرز التي أصرت على أن “الماس الحقيقي يتمتع بالندرة”، أي أن الماس الاصطناعي، مهما كان تركيبه أو بريقه، لا يمكن أن يؤخذ بجدية. وحتى عندما أذعنت دي بيرز في نهاية المطاف وأعلنت أنها ستبدأ تصنِّع الماس مخبرياً أيضاً في وقت سابق من هذا العام، فقد قامت بتسعيرها بأسعار المجوهرات العادية، في محاولة لإرسال رسالة حول أهمية الماس على ما يبدو.

وقد ضربت “صورة شخصية لإدموند بيلامي” على وتر حساس مماثل. فهل يمكن اعتبار الأعمال الفنية التي تولدها الحواسيب “فناً حقيقياً”؟ وهل تعبر عن إبداع حقيقي؟ وهل تحمل أية قيمة تتجاوز ما دفعه مشترٍ غامض ما لدار كريستي؟

يعتقد أحمد الجمّال (وهو مدير مختبر الفن والذكاء الاصطناعي في جامعة روتجرز، ويعمل أيضاً على الشبكات التوليدية التنافسية) أن فن الذكاء الاصطناعي يستحق أن يُعتبر عملاً فنياً حقيقياً.

“دوق بيلامي” من أوبفيوس. عمل فني من تشكيل الذكاء الاصطناعي.
مصدر الصورة: أوبفيوس

“دوقة دي بيلامي” ستباع بمبلغ 10,000 يورو.
مصدر الصورة: أوبفيوس

يقول الجمال لدار كريستي: “أجل، إذا نظرت إلى الشكل الفني وتجاهلت تعاريف الفن، فسوف تجد أن الخوارزمية تقوم بتوليد أشكال مرئية متبعة مبادئ جمالية مستخلصة من أعمال فنية أخرى. ولكن إذا نظرت إلى العملية بأكملها، فسوف تجد أنها أقرب إلى الفن المجرد منها إلى الرسم التقليدي. وهناك عنصر بشري يشترك في العملية عن طريق توجيه الأسئلة، وآلة تقوم بتقديم الأجوبة. إن العملية بأسرها فنية، لا الصورة التي تنتج في النهاية وحسب، ويمكنك أن تقول إنها ناتجة عن تعاون بين فنانَين، فنان بشري وآخر آلي. وهو ما يدفعني إلى التفكير في مستقبلٍ يصبح فيه الذكاء الاصطناعي وسيلة جديدة للتعبير الفني.

جدل حول عائدية اللوحة

مع صعود الذكاء الاصطناعي، قد يمتلئ السوق بالأعمال الفنية الآلية. ولكن إذا لم تكن مسألة الأصالة كافية لإثارة الاستياء، فمن المؤكد أن مسألة العائدية ستتكفل بهذا الأمر.

ففي حالة إدموند -على سبيل المثال- توجد مسألة تحديد الفضل في هذا العمل. هل هو الذكاء الاصطناعي الذي قام بتشكيل إدموند وعائلته؟ أم أنهم الباحثون الثلاثة في أوبفيوس؟ وإذا كان العمل الفني مستوحى من مئات آلاف اللوحات الموجودة سابقاً. فما نسبة الاستيحاء أو الاستلهام إلى درجة معينة في العملية، وما نسبة التقليد المباشر؟

أصبحت هذه المسألة مثيرة للجدل؛ حيث إن برنامج الذكاء الاصطناعي المستخدم لتشكيل لوحة إدموند لم يُكتب حتى في أوبفيوس، وذلك كما أورد موقع ذا فيرج. بل إن روبي بارات (وهو فنان ذكاء اصطناعي بعمر 19 عاماً قام بمشاركة بحثه بشكل مفتوح على الويب) قد انتقد أوبفيوس على تويتر، متهما الأستوديو “باستخدام الشبكة العصبونية وبيع النتائج”.

أظهرت بعض اللقطات أن بارات كان يتواصل مع أوبفيوس حول استخدام برنامجه للذكاء الاصطناعي، ولكن بارات قال على تويتر إنه كان يعتقد أن البرنامج سيستخدم “لمشروع ما مفتوح المصدر”. وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مجلة فوكس، قال بارات إنه لن يلاحق أوبفيوس للحصول على جزء من المبلغ المالي، ولكنه ما زال مستاء حول عملية البيع: “لا يهمني الحصول على أي مبلغ مالي من هذه المسألة، بل أرغب في أن يحصل الفنانون الحقيقيون -الذين يعملون على الذكاء الاصطناعي- على الانتباه والاهتمام الذي يستحقونه، وأشعر أن العمل الذي اختارت دار كريستي عرضه للمزاد العملي سطحي للغاية”.

وفي بيان إلى فوكس، أورد أوبفيوس أنه “يوجد الكثيرون ممن يُجرون تجارب مختلفة الأساليب لاستخدام نماذج جان”، وأن “روبي بارات يستحق فعلاً أن ينسب جزء من العمل إليه، وهو ما قمنا به فعلاً وبشكل فوري في منشورنا الرئيسي، منذ أن طلب ذلك في أبريل. وفعلنا ذلك مرة أخرى بعد المزاد”. غير أن أستوديو أوبفيوس لم يعلق على إمكانية مشاركة أرباحه من هذا المزاد.

ويعتقد بارات أن عمل أوبفيوس مع الذكاء الاصطناعي “يعطي انطباعاً خاطئاً”، ويقول إن العالم الفني يشعر بالاهتمام لإمكانية استخدام “الذكاء الاصطناعي كأداة للفنان، والتعامل معه بشكل تعاوني، لا الأخذ بالتصور الخاطئ الذي يعطيه أوبفيوس حول إمكانية حلول الذكاء الاصطناعي محل الفنان”.

المزيد من المقالات حول الذكاء الاصطناعي

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!