Article image

Article image

تكنولوجيا الأعمال

يتحدث مدير الأمن السابق في فيسبوك عن مخاطر إعطاء المنصات الكبيرة صلاحية تحديد ما يُسمح ويُمنع قوله على الإنترنت.

منذ بضعة أسابيع، ترك أليكس ستاموس وظيفته في فيسبوك كمسؤول أمني رئيسي، حيث قاد حملة مكافحة المعلومات المزيفة الروسية على المنصة بعد انتخابات 2016 الرئاسية في أميركا. ويعمل ستاموس حالياً في جامعة ستانفورد، وقد أعلن مؤخراً عن تأسيس مرصد ستانفورد للإنترنت، وهو مشروع مكرس لمواجهة خطاب الكراهية والدعاية الموجهة والتلاعب، وذلك عن طريق الجمع ما بين خبرات الباحثين الأكاديميين والأخصائيين الاجتماعيين وصانعي السياسات والشركات التقنية العملاقة نفسها.

يعتقد ستاموس –شأنه شأن الكثيرين– أن المنصات التقنية مثل فيسبوك وجوجل تتمتع بنفوذ أكثر من اللازم. ولكنه لا يتفق مع النداءات الداعية إلى تقسيم هذه الشركات، ويقول إن من يشتكون من تزايد نفوذ فيسبوك وجوجل هم نفسهم من يقدمون لهذه الشركات مزيداً من النفوذ، وذلك بإصرارهم على اتخاذ هذه الشركات لمزيد من الإجراءات للحد من خطاب الكراهية والدعاية المغرضة.

يقول ستاموس محذراً: “إنه طريق خطير”. فإذا ألزمت البلدان الديمقراطية الشركات التقنية بوضع قيود على حرية التعبير، فسوف تحذو الدول المستبدة حذوها، وستصل التكنولوجيا قريباً إلى مرحلة تسمح بتطبيق “رقابة وتعديل على كل ما نقوله على الإنترنت بسرعة آلية وفي الزمن الحقيقي”. أي أن محاولتنا لكبح جماح الشركات التقنية الكبيرة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور “الأخ الأكبر”، أي الرقابة والتقييد الشاملين. ما الحل إذن؟ تحدثت مع ستاموس في مكتبه في ستانفورد لمعرفة الجواب. وفيما يلي نص معدل ومكثف للمقابلة بهدف التوضيح.

لقد صرحت مؤخراً بأنه فات الأوان على محاولة إنقاذ الانتخابات النصفية في 2018 من التدخلات الأجنبية. على من يقع اللوم في هذه المسألة، بناء على كل ما علمناه في 2016؟

حدثت ثلاثة أشياء في 2016. أولاً، حملة للدعاية ونشر المعلومات المزيفة أطلقتها وكالة أبحاث الإنترنت الروسية والمجموعات المتفرعة عنها. ومن ثم حملة التسريبات، حيث قامت المخابرات العسكرية الروسية GRU باختراق البريد الإلكتروني للهيئة الوطنية للحزب الديمقراطي، ومن ثم نشر مجموعة من القصص في الإعلام. وأخيراً، هناك الاختراق الاستطلاعي لأنظمة الاقتراع في 21 ولاية.

احتاجت المشكلة الأولى إلى أكبر مقدار من الجهد، لأن مسؤوليتها كانت تقع بالكامل على كاهل المنصات التقنية. قامت الشركات بتحديد الإعلانات السياسية والإعلانات حول قضايا معينة، ووضع سياسة لشفافية الإعلان، وحددت ما هو التنسيق الذي يعتبر غير مقبول، ومن ثم بدأت تفرض هذه القواعد.

أما فيما يتعلق بحملة الاختراق والتسريبات للمخابرات العسكرية الروسية، فلم يحدث سوى القليل، وقد أضافت الهيئة الوطنية للحزب الديمقراطي بعض التحديثات الأمنية. وأتوقع أن معظم الحملات الانتخابية أصبحت أكثر حذراً، ولكنني لا أرى تحديثات أمنية شاملة للحملات الانتخابية والمرشحين. لقد تمكن الروس من إرسال الفريق الثانوي لاختراق الهيئة الوطنية للحزب الديمقراطي. ولست متأكداً من قدرتهم على التصدي للفريق الأساسي.

أما فيما يتعلق بالمشكلة الثالثة فلم نكد نفعل شيئاً، وما زال لدينا 10,000 جهة مسؤولة عن إدارة الانتخابات في الولايات المتحدة، ويوجد عدد من الولايات التي لا تحتفظ بنسخة ورقية احتياطية عن أوراق الاقتراع، وهناك عدد هائل من الجهات المسؤولة عن حماية نفسها، ولهذا ليس بإمكاننا أن نحمي الانتخابات بدون أن تقدم الحكومة الفدرالية موارد هائلة. وهنا نقطة الضعف الأساسية برأيي.

هل هذا يعني أنه تم حل مشكلة المعلومات المزيفة والدعاية المغرضة؟

من المستحيل أن تقضي تماماً على هذه المشكلة في مجتمع حر. وأعتقد أن أهم شيء في الولايات المتحدة هو شفافية الإعلان. وسواء تعرضنا لتدخلات أجنبية أم لم نتعرض، فإن الأحزاب والحملات الانتخابية ولجان الحراك السياسي في الولايات المتحدة تقوم بتقسيم الناخبين إلى مجموعات صغيرة للغاية، وهو أمر سيئ. إن الشفافية تشكل بداية جيدة.

أما الخطوة التالية التي يجب أن نطبقها فهي إصدار تشريعات فدرالية للحد من الإعلانات الموجهة. يوجد الآلاف من الشركات في بيئة الإنترنت، ولكن لم تظهر أية إجراءات فعلية سوى من فيسبوك وجوجل وتويتر، نظراً لأنها حازت على أكبر تغطية إعلامية، وتعرضت للقدر الأكبر من الضغوط السياسية. وبدون التشريعات، سنضطر لإلقاء عبء التعامل مع هؤلاء المهاجمين وأساليبهم الإعلانية على عاتق الشركات التي ليس لديها فرق مختصة بالبحث عن المجموعات الروسية لتزييف المعلومات.

تعرضت شركة فيسبوك للكثير من الانتقادات بسبب التدخلات السياسية الروسية في الولايات المتحدة وبلدان أخرى، ومجازر ميانمار، وغيرها من المسائل. هل تعتقد أن شركة فيسبوك بدأت تدرك حجم تأثيرها والمسؤولية المترتبة على هذا التأثير؟

أعتقد أن الشركة تفهم تأثيرها الكبير بالتأكيد. أما الجزء الصعب فهو حل المشكلة، حيث يعيش 90% من مستخدمي فيسبوك خارج حدود الولايات المتحدة، ويعيش أكثر من نصفهم في بلدان لا تتمتع بالحرية أو ديمقراطيات لا تضمن حرية التعبير. ومن أهم المصاعب هي إيجاد حلول لهذه البلدان بحيث لا تؤدي إلى تفاقم الوضع نحو وضع أسوأ منه، مثل فرض الرقابة.

هناك مشكلة أخرى، وهي تحديد المشاكل التي تستحق توجيه الموارد الهندسية نحو حلها. ومهما كانت الشركة كبيرة، لن تكون قادرة على التعامل إلا مع عدد محدود من المسائل. ومن المشاكل التي تواجهها الشركات هي أنها في حالة استنفار دائمة، وتنتقل باستمرار من حالة طارئة إلى حالة طارئة أخرى.

قد يتحسن الوضع مع زيادة حجم فريق العمل، ولكن الشركات تحتاج أيضاً إلى نقاشات خارجية جادة وغنية بالمعلومات حول المسائل التي نريد منها أن تركز عليها، وما المشكلات التي يجب حلها بأي ثمن، وما المشكلات التي يمكن أن تؤجل. لقد ذكرت لي مجموعة من المشاكل التي تختلف عن بعضها بوضوح، ولكن الناس ينظرون إليها بنفس الطريقة تقريباً.

هل تعتقد أن الشركات التقنية تتمتع بنفوذ زائد؟ هل يجب مثلاً أن نرغم شركة فيسبوك على التخلي عن إنستغرام وواتساب؟

إذا كان مسؤولو مكافحة الاحتكار يعتقدون أن من المناسب فرض نقل الملكية بهذه الطريقة، فهذا يعود إليهم. ولكنني لا أعتقد أن هذا سيحل المشكلة أو يفاقمها. ما يمكن أن يزيد الأمور سوءاً بشكل فعلي هو تقسيم المنتجات بحد ذاتها، وعلى سبيل المثال، فإن تقسيم واتساب أو فيسبوك إلى عشرة أقسام متماثلة وصغيرة أمر سيئ؛ لأننا في هذه الحالة سنخسر الجدوى الاقتصادية التي تجلبها ضخامة المنصة، كما سنخسر وجود فرق عمل منظمة وخبيرة في هذا النوع من المشاكل (مثل خطاب الكراهية والدعاية… إلخ).

تقول الوقائع إن الشركات الكبيرة كانت تتجاوب بشكل جيد مع المشاكل، على حين أن الجميع يتجاهل الشركات الصغيرة لأنها لا تشكل مادة إعلامية دسمة. ولكن فيسبوك قدمت أكثر من الأغلبية العظمى من الشركات الأخرى مجتمعة.

كيف نستطيع وضع قواعد ناظمة في عالم تتطور فيه التكنولوجيا بسرعة هائلة، وتتحرك فيه القواعد الناظمة ببطء شديد؟ كيف يمكن للمجتمع أن يضع حدوداً معقولة لما يُسمح للشركات التقنية بفعله؟

لا يطالب المجتمع حالياً بوضع قيود على الشركات التقنية، بل يطلب منها أن تفعل المزيد، وأعتقد أن هذا يمثل طريقاً خطيراً. وفي جميع المشاكل التي ذكرتها –المعلومات المزيفة الروسية ومسألة ميانمار- أنت تقول لهذه الشركات: “نريد أن نمنحك المزيد من النفوذ للتحكم فيما يقوله ويفعله الآخرون”.

 هذا أمر بالغ الخطورة، خصوصاً مع ظهور التعلم الآلي. وبعد خمس إلى عشر سنوات، قد تظهر أنظمة تعلم آلي قادرة على فهم اللغات البشرية بنفس براعة البشر. وقد ينتهي بنا المطاف بظهور رقابة وتعديل على كل ما نقوله على الإنترنت بسرعة آلية وفي الزمن الحقيقي. أي أن الصلاحيات التي نمنحها لهذه الشركات حالياً هي نفسها الصلاحيات التي ستحصل عليها هذه الآلات بعد عدة سنوات.

ما هي المشاكل الأساسية التي يسعى مرصد ستانفورد للإنترنت إلى حلها؟

لا يوجد حقل أكاديمي متخصص في دراسة إساءة استخدام التكنولوجيا، باستثناء الأخطاء ذات الطابع التقني الدقيق. تجري أقسام علوم الحاسوب أبحاثاً عن أنواع جديدة من استغلال الثغرات البرمجية، والأخطاء البرمجية، وحلول تشفيرية خفية، ولكنك لا تستطيع أن تحصل على درجة الدكتوراه بدراسة التنمر والتحرش والحلول التقنية المقترحة لمواجهتهما. من المحتمل أن يدرس مختصو العلوم السياسية تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على الديمقراطية، كما يمكن أن يدرس علماء النفس تأثير استخدام إنستغرام على المراهقين ذوي النزعات الانتحارية، ولكنهم يفتقرون إلى المهارات التقنية والبنية التحتية اللازمة لإجراء هذه الدراسات بشكل جيد.

ولهذا، سيلعب مرصد ستانفورد للإنترنت دور برنامج دائم، مزود بما يلزم من علماء البيانات ومهندسي البرمجيات والمحققين والمحللين ممن يفهمون أساليب التفاعل مع المنصات التقنية، وكيفية تحليل البيانات على نطاق واسع للغاية. يمكن لهذه المجموعة أن تقدم الخدمات إلى المجموعات الأكاديمية في كل مكان، وتجري أبحاثها الخاصة بها أيضاً. وبهذا يمكن أن نشجع على ظهور الأعمال التي يستحيل أن تظهر في ظروف أخرى، لأنها لا تعود بشكل كامل إلى حقل أكاديمي واحد.

هلا ذكرت لنا بعض الحلول التقنية التي تعملون عليها؟

إذا عدت بالذاكرة إلى 2016، فسوف ترى فشلاً استخباراتياً بين الحكومة الأميركية والحكومات الحليفة، وبين هذه الحكومات والمنصات التقنية. يجب أن نفكر في المسؤوليات الملقاة على عاتق هذه المجموعات المختلفة، وكيف ننظر إلى كون هذه الشركات التقنية تتصرف بطريقة شبه حكومية. ما المسائل التي يُسمح لهذه الشركات بالتحكم فيها؟ وأين تبدأ مسؤولياتها وتنتهي؟ نحن نعمل على مجموعة من التوصيات التي سنقدمها إلى الكونجرس في العام المقبل.

نعمل أيضاً على بناء منظومة تسمح بمراقبة استخدام المعلومات المزيفة في انتخابات متعددة، ونهدف إلى تجهيز هذا النظام للعمل قبل الانتخابات الهندية والأوروبية في العام المقبل.

من المؤكد أن الديمقراطيين سيتجاوبون مع هذه الحلول أكثر من الجمهوريين. كيف يمكن أن تزيل النزعة الحزبية عن هذه المسألة؟

من الجنون أن نعتقد أن هذه التدخلات في الانتخابات موجهة حصراً لمساعدة الجمهوريين. إن أسلوب عمل الروس معروف للجميع، وقد ظهرت نقاط الضعف في نظامنا، وأعطينا إشارة لأعدائنا بإمكانية التدخل في انتخاباتنا دون أن نفعل أي شيء لردعهم ومعاقبتهم.

ولهذا أتوقع أن يتدخل خصومنا في الانتخابات المقبلة دون شك، ومن السخف أن نتوقع أن الصين وإيران وكوريا الشمالية ستدعم الجمهوريين. وهو ما يدفعني إلى توجيه هذه الرسالة إلى الجمهوريين: لنعالج هذه المشكلة قبل أن يتكرر ما حدث في 2016 معكم.

يجب أن يتجاوز النقاش في هذه المسألة قضية فوز ترامب؛ لأن الجمهوريين يصابون بتيبس فوري في التفكير عند أول تلميح يشير إلى أن ترامب لم يفز بمنصبه بجدارة. ولهذا يجب أن نتكلم عن نقاط الضعف والآثار المحتملة لها في 2020. ومن الجدير بالذكر أن الجمهوريين أكثر تجاوباً مع هذا الطرح عند الحديث معهم بشكل غير معلن.

من النقاط المتعلقة بهذه الأزمة هي نقص الثقافة التقنية لدى السياسيين. كيف يمكن أن نحل هذه المشكلة؟

عادة ما يحيط السياسيون أنفسهم بطاقم من الشخصيات عالية الكفاءة، ولكن معظمهم لم يسبق له العمل في المجال التقني. ولهذا يجب أن نحفز العاملين في المجال التقني على الانتقال إلى واشنطن العاصمة للمشاركة بخبراتهم في العمل السياسي. وقد ظهر بعض التقنيين ممن عملوا في الكونجرس وتركوا بمفردهم أثراً كبيراً هناك، مثل كريس سوجويان، وهو ناشط تقني يعمل حالياً مع السيناتور رون وايدن.

في الواقع، فإن هذه المسألة طريق ذو اتجاهين، حيث يجب أن نزيد ثقافة علماء الحاسوب في مجال التاريخ والأخلاقيات، ويجب أن نعلم مختصي الفنون الليبرالية أساسيات التكنولوجيا حتى يزيدوا من تأثيرهم. إن القدرة على مخاطبة عشاق التكنولوجيا بطريقة يحترمونها أمر شديد التأثير، وهو ما يفتقده الكونجرس حالياً.

المزيد من المقالات حول تكنولوجيا الأعمال

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!