Article image
وادي كاليفورنيا المركزي الجاف خلال فترة جفاف ممتدة في وقت سابق من العقد الحالي
حقوق الصورة: ستوارت رانكين
Article image وادي كاليفورنيا المركزي الجاف خلال فترة جفاف ممتدة في وقت سابق من العقد الحالي
حقوق الصورة: ستوارت رانكين

علوم الحياة

بعد سنوات من قياس تراكم الجليد في جبال سييرا بكاليفورنيا، تسعى ناسا الآن لتطوير أنظمة مشابهة للفضاء

بعد شتاء جاف غير معتاد، أغرقت عاصفة متأخرة كاليفورنيا في أوائل شهر مارس، وتراكم الجليد حتى بلغ ارتفاعه عدة أمتار على مكامن الجرانيت المرتفعة في جبال سييرا نيفادا. في صباح يوم الأحد وبعد تحسن الطقس، صعد باحثان من وكالة ناسا على متن طائرة صغيرة في مطار ماموث يوسمايت الذي يضم مدرجاً واحداً يمتد أمام قمة هرم جبل موريسون.

وبعد فحوصات السلامة النهائية، انطلق الطياران برحلة الطيران الأولى في هذا الموسم لمرصد الجليد الطائر وهو عبارة عن طائرة ذات محركين من طراز بيتشكرافت كينج إير 90، مزودة بجهازي استشعار يخرجان من مقطع زجاجي في الجزء السفلي من الطائرة. ويقيس الليدر حجم الكتلة الجليدية على الجبل في حين يقيس المطياف انعكاسيتها، إلى جانب تقديم تقديرات دقيقة للغاية لكم المياه التي ستتدفق على الجبل في فصل الربيع، ووقت تدفقها عبر السدود والخزانات والقنوات المائية في ولاية كاليفورنيا.

وتتيح البيانات لهيئات المياه أن تتعامل بحرص مع المياه التي تمد محطات توليد الطاقة الكهرمائية وتغذي المدن والبلدات وتروي واحدة من المناطق الزراعية الأكثر إنتاجاً في الولايات المتحدة. وتتزايد أهمية القيام بهذه المهمة على أفضل وجه في ظل معاناة الولاية من تعاقب فترات الجفاف الطويلة والفيضانات واسعة النطاق، ويبدو أن تغير المناخ سيعمل على تفاقم التقلبات الموسمية.

ويصرح توماس بينتر، الباحث الرئيسي في برنامج مرصد الجليد الطائر الخاضع لإدارة مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا في باسادينا قائلاً: “لا يمكنك إدارة ما لا يمكنك قياسه”. 

صدمة مناخية

تمتد سييرا نيفادا على مساحة 400 كيلومتر على طول الحدود الجنوبية الشرقية لولاية كاليفورنيا، ففي كل سنة، يوفر لها ذوبان الكتلة الجليدية ما يقارب من ثلث احتياجات الولاية من المياه. ولا تعد إدارة هذا المورد سهلة، وعلى الجهات القائمة على الخزانات أن تخرج كميات كافية لتجنب انغمارها وتزويد الأسماك والنظم الإيكولوجية بالماء ولإعادة تخزين المياه الجوفية ولإمداد المدن والصناعات باحتياجاتها من المياه، لكنها يلزمها أيضاً الاحتفاظ بكميات كافية لتلبية احتياجات المزارعين والشركات والسكان أثناء أشهر الصيف الجافة.

بدأ برنامج المرصد مسح الثلوج في ربيع عام 2013 أثناء اجتياح جفاف مدمر لولاية كاليفورنيا، وقد فرضت موجة الجفاف التاريخية قيوداً إلزامية على المياه وتسببت في القضاء على أكثر من 100 مليون شجرة وازدادت وتيرة حرائق الغابات وانخفضت أرباح الصناعات الزراعية الضخمة بالولاية، ثم توقفت تلك الموجة فجأة في شتاء 2016-2017 بعد هبوب سلسلة من العواصف أمطرت أكثر من ليتر ونصف من الأمطار في بعض مناطق سييرا، لتصبح العام الثاني من حيث الأمطار في تاريخ كاليفورنيا المسجل.

وأصبحت هذه “الصدمة المناخية” تحدث ضعف عدد مرات حدوثها في الولاية، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة بخار الماء في الغلاف الجوي والتحولات المناخية الأخرى، وفقاً لما ورد في ورقة بحثية نشرت في Nature Climate Change وتوصل مؤلفو البحث إلى أن الفيضانات التي كانت قد تقع مرة واحدة كل 200 عام صارت قد تحدث كل 40 عاماً بحلول منتصف هذا القرن.

قد لا يتغير إجمالي هطول الأمطار عن المتوسط في ظل هذه التحولات الحادة بين السنوات الجافة للغاية والرطبة للغاية، لكنها “لا تتساوى الأمور في النهاية”، على حد تعبير دانيال سوين، الكاتب الرئيسي للدراسة وعالم المناخ في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس. وأضاف: “تجتمع لنا كل سلبيات السنوات الرطبة والسنوات الجافة، وتزيد مخاطر المياه وتقل فوائدها. ووسط هذا التقلبات، ستكون الرؤية التي قد يتيحها برنامج المرصد لتحول ظروف الكتل الجليدية “هامة للغاية لإدارة المياه” ضمن نظام مصمم للمناخ في الماضي، على حد تعبير سوين.

ويساعد البرنامج في السنوات الرطبة الجهات القائمة على الخزانات على منع المياه من تجاوز الأحواض واجتياح المجتمعات المحلية التي تعيش عند المصبات، أما في السنوات الجافة، فتمكنهم البيانات من الاستغلال الفعال للإمدادات المائية المحدودة، ويقول جيف باين، مدير الوكالة العامة للسياسة المائية أن هيئة مياه فريانت التي تدير أحد السدود والقنوات التي تروي مليون فدان من الأراضي الزراعية في منطقة سنترال فالي، ستوفر المزيد من المياه لزراعة الفواكه والخضروات في الولاية.

ليزر الانعكاس

بعد الوصول لذروة المنحدر الشرقي المواجه لسلسلة الجبال، وصلت الطائرة لامتداد حوض سان هواكين المرتفع، الذي يخزن المياه في صورة مجمدة حتى تصل لآلاف المزارع في منطقة فريانت عند الحاجة إليها في فصل الربيع. جلس دان بيريسفورد التقني بوكالة ناسا البالغ من العمر 38 سنة ناسا يرتدي قبعة صغيرة محبوكة ونظارة شمسية عاكسة، جلست في المقعد الخلفي الأيسر أمام شاشة الليدار، وضغط على مفتاح بدء جمع البيانات من جهاز الاستشعار. قطعت الطائرة مسار الحشائش على التضاريس الذي يغطي خطوط طويلة قبل الميل بمقدار 180 درجة، فيصدر الليدار أشعة ليزر نبضية لمئات آلاف المرات في الثانية، تعم المسطح المرئي أفقياً، وعبر قياس الوقت الذي يستغرقه الضوء لينعكس من السطح والعودة إلى أجهزة الاستشعار، تتمكن برامج الجهاز من رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لسطح الثلج، ويقوم العلماء بجمع هذه المعلومات مع الملاحظات السابقة، لحساب “المكافئ المائي للثلج”، أو إجمالي حجم المياه المخزنة في مستجمعات المياه في ذلك الوقت.

وتتمثل المهمة الرئيسية لبيريسفورد على متن الطائرة في مراقبة الجودة، إذ يراقب الإشارات الدالة على انعكاس الضوء من السحب أو الرطوبة الجوية. وهناك مطياف يعمل في نفس الوقت، وهو في الأساس كاميرا تستطيع الكشف عن الضوء البعيد عن مدى رؤية العين البشرية، ويحدد مدى انعكاس أشعة الشمس التي تصطدم بالثلج على السطح. تتمتع الثلوج الجديدة بقدرات عاكسة كبيرة، مما يؤدي إلى إبطاء الذوبان وإعادة الحرارة إلى الغلاف الجوي مرة أخرى، ولكن الكتلة الجليدية تصير أقل انعكاسية عند ظهور بلورات الثلج وتكاثرها، وعند تلوث الهواء وحين تغطي العواصف الحقول ببقع داكنة ماصة في صورة غبار وسخام. ويقول بيريسفورد أن تحديد مستويات تغير الانعكاس يساعد الفريق على حساب مدى سرعة ذوبان الثلوج ووقت ووصول المياه في نهاية المطاف إلى خزانات المصب.

الأكثر دقة

يسعى سكان كاليفورنيا إلى قياس دقيق لكتلة سييرا الجليدية منذ أكثر من قرن من الزمان، وفي كل شتاء، ترسل هيئة الموارد المائية بكاليفورنيا مساحين على زلاجات وأحذية ثلوج لمئات النقاط المحددة في جميع أنحاء الولاية، لغرس أنابيب القياس المصنعة من الألومنيوم في أعماق الثلوج، وتستكمل هذه البيانات بالنتائج التي ترصدها محطات الاستشعار عن بعد التي يزيد عددها عن مائة وتنتشر في جميع أنحاء سلسلة الجبال، حيث توفر “وسائد الجليد” تقديرات بناءً على تغير ثقل الثلوج فوقها.

ولكن هذه اللمحات لا تضيف غالباً صورة دقيقة عن مستجمعات المياه الجبلية المرتفعة المترامية الاطراف. وفي بعض السنوات، تقدر كمية المياه التي تصل خزانات مثل نظام هيتش هيتشي، الذي يخدم حوالي 3 ملايين عميل في جميع أنحاء سان فرانسيسكو، بما يصل إلى 40٪. هذا مع زيادة أو نقصان عشرات مليارات جالونات المياه.

لكن بعد خمس سنوات من العمل، ومروراً بسنوات رطبة للغاية وجافة للغاية ومتوسطة، بلغ معدل خطأ برنامج ناسا في المتوسط 2 في المائة، على حد تعبير بينتر.

ويقول: “يعد هذا المسح هو الأكثر دقة من بين كل دراسات الكتل الجليدية السابقة”.

القياس من الفضاء

حتى الآن لا يغطي برنامج مرصد الجليد الطائر التابع لوكالة ناسا- الذي انتقل من الطور التجريبي إلى الطور التشغيلي – سوى حوالي ثلث منطقة سييرا، لكن وكالة ناسا وهيئة الموارد المائية بكاليفورنيا والعديد من إدارات المياه الأخرى تبذل قصارى جهدها لتوسع رقعة البرنامج عبر كاليفورنيا، وهذا يتطلب مزيد من الطائرات والمرافق وتمويل بملايين الدولارات سنوياً، وقد عقد ممثلون عن هيئة مياه فريانت وإدارات المياه الأخرى مناقشات مع المشرعين لتخصيص أموال للبرنامج.

ويقول بينتر أن وكالة ناسا أيضاً تعقد مناقشات حول إعداد جهود مماثلة في حوض نهر كولومبيا الممتد عبر ولاية أوريجون وواشنطن وكندا، وحوض نهر كولورادو حيث أجروا هناك رحلات مسح جوي مبكرة.

إن لناسا أهدافاً نهائية أسمى كثيراً، إذ يواصل مركز جودارد لرحلات الفضاء في الحزام الأخضر بولاية ماريلاند إجراء سلسلة من الاختبارات على الجبال المغطاة بالثلوج والهضاب القريبة من جراند ميسا بولاية كولورادو، والهدف من هذا المشروع البحثي الممتد لعدة سنوات، والمعروف باسم SnowEx، هو تحديد ما مزيج أجهزة الاستشعار والتقنيات التي ستمكن ناسا من قياس المكافئ المائي للثلج من الفضاء.

وفي وضعها الراهن لا تستطيع الأقمار الصناعية الحالية إلا تحديد كمية الثلج عبر القارات، دون تحديد مقدار الماء الذي تحتوي عليه.

وقد يساهم هذا الجهد في مساعدة مناطق أخرى في العالم تواجه ذات التحديات والتقلبات المائية مثل ولاية كاليفورنيا، ويمكن أيضاً أن تقدم بيانات عن الانعكاسية المتغيرة للكوكب في ظل ارتفاع درجات الحرارة وقلة تراكم الثلوج، بما يتيح الاطلاع على آلية تعقيب هامة لتغير المناخ. وقال تشارلز جاتيبي، نائب مدير مشروع SnowEx: “إننا بحاجة إلى بعثة فضائية تستطيع قياس الثلوج على مستوى العالم، ونحن نبحث عن الأدوات”.

صعوبة التكيف

ولكن في نهاية المطاف، فإن وجود معلومات أكثر وأفضل قد يحقق الكثير. إذا تغيرت أنماط هطول الأمطار بقدر ما تتوقع دراسة سوين، فسيتطلب الوضع تغيرات أكبر بكثير في الممارسات والبنية التحتية للمياه في كاليفورنيا، ويصعب التكيف مع وضع عادي جديد حين يتصف هذا الوضع بالتقلب المستمر. ومن الجدير بالذكر أن البعض يرى بأنه كلما كثرت نوبات الجفاف وازدادت سوءاً، ستحتاج الولاية لبناء خزانات إضافية، لكن هذا الإجراء نفسه سيزيد من مخاطر الانغمار خلال السنوات الرطبة، إذا غمرت الأمطار الغزيرة الأحواض.

ويعتقد خبراء آخرون في إدارة مياه كاليفورنيا أن الولاية ستحتاج إلى اتباع نظام أكثر مرونة، عبر زيادة الاعتماد على سهول الفيضانات الطبيعية ومستودعات المياه الجوفية بدلاً من الخزانات الصناعية. وهذا يتطلب بنية تحتية مختلفة تماماً قد تتضمن السدود وخطوط الأنابيب والقنوات، لحماية المجتمعات المحلية ونقل المياه. ويقول سوين: “قد تكون تلك الطريقة هي الأكثر مدعاة للتفاؤل للحد من المخاطر، ولكن بصراحة، فإنه سيكون تحدياً صعباً، سيكون التكيف صعباً”.

 

مرصد الثلج المحمول جواً التابع لناسا وهو طائرة ذات محركين من طراز بيتشكرافت كينج إير 90، وهو في مطار ماموث يوسمايت

المزيد من المقالات حول علوم الحياة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!