Article image
صورة مركبة للزهرة من عمليات رصد لمركبة ماجلان الفضائية ومسبار الزهرة المداري بايونير التابعين لناسا.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا



ستحاول بعثتا دافينشي بلس وفيريتاس الإجابة عن كيفية تحول الكوكب الثاني في النظام الشمسي إلى الجحيم الذي نعرفه حالياً.

2021-06-06 18:21:18

06 يونيو 2021

ناسا تعود إلى الزهرة

أطلقت ناسا آخر بعثاتها المخصصة للزهرة في عام 1989. وقد أمضى مسبار ماجلان المداري أربع سنوات في دراسة الزهرة قبل السماح له بالتحطم على سطح الكوكب. ومنذ ذلك الحين، ولمدة 30 سنة، أهملت ناسا ذلك الكوكب. 

غير أنها قررت أن تعود إلى هناك، وبقوة. فقد أعلن مدير ناسا بيل نيلسون مؤخراً عن اختيار الوكالة لبعثتين جديدتين لاستكشاف الزهرة: دافينشي بلس وفيريتاس. ووفقاً لتعبير عالم الكواكب بول بيرن من جامعة نورث كاليفورنيا الحكومية، فقد “انتقلنا من الجفاف إلى الخير الوافر”.

وفي الواقع، فليس من السهل أن نفهم سبب تجاهل ناسا للعودة إلى الزهرة طوال هذه الفترة. لا شك في أن استكشاف الزهرة ليس بالأمر السهل، بسبب بيئته الصعبة؛ حيث تصل حرارة السطح إلى 471 درجة مئوية، وهو ما يكفي لإذابة الرصاص، كما أن الضغط السائد يساوي 89 ضعفاً من الضغط على الأرض. ويتألف الغلاف الجوي من ثاني أكسيد الكربون بنسبة 96%. كما أن الكوكب مغطى بغيوم كثيفة من حمض الكبريت. وعندما هبط الاتحاد السوفييتي بمسبار فينيرا 13 على سطح هذا الكوكب في 1982، صمد المسبار مدة 127 دقيقة قبل أن يُدمَّر.

وعلى الرغم من كل هذا، فنحن نعرف أن الظروف هناك لم تكن بهذه القسوة على الدوام! فمن المعروف أن الزهرة والأرض كانا في البداية عالمين متشابهين بكتلتين متقاربتين، ويقع كلاهما في المنطقة الصالحة للسكن حول الشمس، أي المنطقة التي يمكن فيها وجود الماء السائل على سطح الكوكب. غير أن الأرض أصبحت قابلة للسكن، في حين تحول الزهرة إلى جحيم. ويرغب العلماء في معرفة السبب. ووفقاً لبيرن، فإن هاتين البعثتين الجديدتين “ستساعداننا في الحصول على إجابات جذرية حول سبب الاختلاف الهائل بين الزهرة والأرض”.

ففي السنة الماضية وحسب، وقع تطور ضخم آخر شجع ناسا على النظر بمزيد من الإيجابية إلى استكشاف الزهرة، وهو مسألة العثور على الحياة؛ فقد أعلنت مجموعة من العلماء في سبتمبر، 2020، عن أنها اكتشفت احتمال وجود غاز الفوسفين في الغلاف الجوي للزهرة، وهو غاز معروف بأنه ينتج عن الكائنات الحية. وتعرضت هذه النتائج إلى عمليات تدقيق شديدة وصارمة في الأشهر التالية، والآن، لم يعد من الواضح ما إذا كانت قراءات الفوسفين تلك حقيقية. ولكن كل تلك الحماسة أشعلت النقاشات حول إمكانية العثور على الحياة الفضائية على الزهرة. وهكذا، وبفضل هذه الفكرة الجديدة والمثيرة، أصبح الزهرة في مقدمة اهتمامات الرأي العام (وربما اهتمامات المشرعين الذين يوافقون على ميزانيات ناسا أيضاً).

يقول ستيفن كين، وهو فلكي في جامعة كاليفورنيا بريفرسايد، إن اختيار البعثتين الجديدتين “يمثل رسالة واضحة من ناسا إلى المهتمين بالزهرة، وتقول هذه الرسالة إن ناسا تراهم وتدرك أنهم تعرضوا إلى التجاهل، وإن ناسا ستصحح هذا الوضع. إنها لحظة رائعة”.

يمثل اسم دافينشي بلس اختصاراً لعبارة: الدراسة العميقة للغلاف الجوي للزهرة من حيث الغازات النبيلة والكيمياء والتصوير بلس. وهي مركبة فضائية ستغطس في الغلاف الجوي الكثيف والساخن للزهرة وتهبط بالمظلة على السطح. وخلال رحلة هبوطها التي ستدوم 63 دقيقة، ستستخدم عدة أجهزة قياس طيفية لدراسة التركيب والطبيعة الكيميائية للغلاف الجوي. كما ستقوم أيضاً بتصوير سطح الزهرة للحصول على تصور أفضل حول القشرة والتضاريس، وفي حال النجاح، سيكون هذا أول مسبار يلتقط صوراً فوتوغرافية للكوكب أثناء الهبوط.

أما فيريتاس -وهو اختصار لعبارة: إصدار الأشعة تحت الحمراء، والعلم الراديوي، ورادار قياس التداخل ذو الفتحة الاصطناعية، والطبوغرافيا، والقياس الطيفي للزهرة- فهو مسبار مداري مصمم لإجراء عمليات بحث أخرى من مسافة آمنة. سيعتمد هذا المسبار على الرادار والقياس الطيفي في المجال القريب من تحت الأحمر لاختراق طبقة الغيوم الكثيفة للقيام بعمليات رصد جيولوجية وطبوغرافية للسطح.

وستركز البعثتان على ناحيتين مختلفتين في دراستهما؛ فسوف تدرس دافينشي تاريخ وتطور الغلاف الجوي، والمناخ، والماء على سطح الزهرة، في حين ستساعد فيريتاس العلماء على دراسة قلب الزهرة، أي التاريخ البركاني والتكتوني، وكتلته وحقله الثقالي، وتركيبه الكيميائي الجيولوجي، ودرجة النشاط الزلزالي للكوكب.

وبما أنه من المتوقع إطلاق البعثتين في أوقات متقاربة، ما بين 2028 و2030، فهذا يعني أنهما يمكن أن تكملا بعضهما البعض. وعلى سبيل المثال، يشير كين إلى أن صلاحية الكوكب للسكن تعتمد على عدد من العوامل، بما فيها نشاط الصفائح التكتونية وامتصاص الكربون من الغلاف الجوي إلى قلب الكوكب، وكيمياء الغلاف الجوي. وعلى حين أن فيريتاس تستطيع إجراء عمليات رصد غير مسبوقة للسطح وإخبارنا بوجود عمليات تدوير للكربون، ستقوم دافينشي بلس بسبر كيمياء الغلاف الجوي مباشرة. ويقول إن البعثتين معاً “مثاليتان تماماً” لتأمين صورة واضحة حول تأثير هذه العمليات على صلاحية الزهرة للسكن (أو بالأحرى انعدام صلاحيته للسكن).

غير أنهما ليستا سوى بداية لما يأمل بيرن بأنه سيكون برنامجاً استكشافياً كبيراً مكرساً لدراسة الزهرة على غرار المريخ، أي عبر عدة بعثات لدراسة السطح، والغلاف الجوي، والمدار في نفس الوقت. ويقول: “بعثة واحدة لا تكفي، وكذلك بعثتان!”. ستساعد دافينشي بلس وفيريتاس على وضع الأساس لبرنامج كهذا لفترة عدة عقود لاحقة. ومن الممكن أن نشهد خلال فترة حياتنا إحضار عينة من الزهرة، تماماً كما سنشهد إحضار عينة من المريخ قريباً.