Article image
مصدر الصورة: بروس بيترسون
Article image مصدر الصورة: بروس بيترسون

قضايا منوعة

يقول هؤلاء الخبراء إنهم قادرون على معرفة الخيارات السياسية التي لا تعبر عنها من إشاراتٍ لا تدرك أنك تُصدرها.

مرَّرتْ ماريا بوكوفي حاسوبَها المحمول إليَّ مع تشغيل كاميرا الويب فيه، فأخذ وجهي يبادلني التحديق من الشاشة، وهو مغطى بشبكة من الخطوط البيضاء التي تمسح خطوط تعابيره، وظهرت بجانب الوجه نافذة مغشاة تتتبع ستة “مشاعر أساسية”، هي: السعادة، والتفاجؤ، والاشمئزاز، والخوف، والغضب، والحزن، وفي كل مرة كانت تتغير تعابير وجهي كان يتذبذب عمود القياس المجاور لكل شعور، كما لو كانت مشاعري إشارة صوتية، وبعد بضعة ثوانٍ ظهرت كلمة خضراء مكتوبة بخط عريض وبدأت تُومض في النافذة، وهي: “توتر”، وعندما نظرت إلى بوكوفي مرة أخرى أحسست أنها تعرف ما الذي يدور في رأسي تماماً بنظرة واحدة.

تتميز بوكوفي بجسد صغير وابتسامة مضيافة، وهي مؤسسة مختبر أبحاث المشاعر في فالنسيا بإسبانيا، ورائدة أعمال عالمية من أعلى مستوى، وعندما تأتي إلى وادي السيليكون فإنها لا تكلف نفسها حتى باستئجار مكتب، بل تستولي على أول طاولة تراها في مركز العمل المشترك في حاضنة الشركات الناشئة “بلاج أند بلاي” في سانيفيل في كاليفورنيا، غير أن التقنية التي كانت تعرضها عليَّ تعتبر في مقدمة ثورة سياسية هادئة؛ حيث إن الحملات الانتخابية حول العالم بدأت في طلب خدمات مختبر أبحاث المشاعر وغيره من المؤسسات المخضرمة في مجال علم الأعصاب، وذلك بهدف كشف المشاعر المخفية عند الناخبين.

وقد اندلعت في هذا الربيع موجة غضب عارمة عندما اكتشف مستخدمو فيسبوك الأميركيون أن المعلومات التي نشروها على الشبكة الاجتماعية -بما فيها الإعجابات والاهتمامات والآراء السياسية- قد تعرضت للتنقيب من قبل شركة كامبريدج أناليتيكا المتخصصة في استهداف الناخبين، وعلى الرغم من أن تأثير هذه الشركة ليس واضحاً بالضبط، إلا أن من المحتمل أن خوارزمياتها ساعدت على تحقيق الانتصار المفاجئ لدونالد ترامب في انتخابات 2016 الرئاسية.

لكن علماء البيانات الطموحين (مثل بوكوفي والذين عملوا مع كبرى الأحزاب السياسية في أميركا اللاتينية في الانتخابات التي أجريت في السنوات الأخيرة) يعتبرون أن أساليب كامبريدج أناليتيكا -والتي أُغلقت في مايو- كانت قديمة؛ حيث كانت تقيس استجابة الناس لرسائل الحملة الانتخابية بتحليل البيانات التي كان الناس يكتبونها في فيسبوك، أما اليوم فيقول المستشارون في مجال “علم الأعصاب السياسي” إنهم قادرون على اكتشاف مشاعر الناخبين عبر مراقبة ردَّات فعلهم العفوية؛ مثل نبضة كهربائية من منطقة هامة في الدماغ، أو تكشيرة تدوم لجزء من الثانية، أو تردد للحظة واحدة أثناء التفكير في سؤال. ويسعى الخبراء إلى تخمين نوايا المصوِّتين عن طريق الإشارات التي لا يدركون أنهم يصدرونها، ويمكن لمستشاري المرشحين محاولة استخدام هذه البيانات البيولوجية في التأثير على عملية التصويت.

يقول خبراء القياسات الحيوية إنهم قادرون على استخلاص الحقائق التي لا يستطيع الناخبون التعبير عنها.
مصدر الصورة: إليزابيث سفوبودا

يقول المطِّلعون على الخفايا السياسية إن الحملات الانتخابية بدأت تستعين بهذه المقاربة بأعداد متزايدة، وإن كانت تفضِّل ألا تعترف بهذا الأمر؛ يقول روجر دولي (وهو مستشار، ومؤلف كتاب “Brainfluence: 100 Ways to Persuade and Convince Consumers with Neuromarketing“): “إن من النادر أن تجد حملة تقرُّ بالاعتماد على تقنيات التسويق العصبي، على الرغم من أن الحملات جيدة التمويل تلجأ إليها فعلاً في أغلب الأحيان”، وليس من المؤكد ما إذا كانت حملة ترامب أو كلينتون في 2016 قد اعتمدت على التسويق العصبي، ولكن يقال إن إس سي إل (الشركة الأم لكامبريدج أناليتيكا، والتي عملت لصالح ترامب) قد استخدمت تحليل الوجوه لتقييم مدى صدق ما يقوله الناخبون حول مشاعرهم تجاه المرشحين.

ولكن حتى لو رفضت الحملات الانتخابية الأميركية الاعتراف باستخدام التسويق العصبي، “فلا بد أنه يثير اهتمامها؛ لأن السياسة رياضة دموية” كما يقول دان هيل (وهو خبير أميركي في برمجة التعرف على الوجوه، والذي كان من مستشاري الرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو في الحملة الانتخابية لعام 2012). أما فريد ديفيس (الذي يعمل خبيراً إستراتيجياً من الحزب الجمهوري، ومن زبائنه: جورج بوش الابن، وجون ماكين، وإليزابيث دول) فيقول إن الزيادة في الاعتماد على هذه التقنيات محصورة إلى حد ما في الولايات المتحدة، ولكن الحملات الانتخابية مستعدة لاستخدامها إذا وجدت أنها تعطيها الأفضلية، ويضيف: “إن أهم شيء بالنسبة للسياسيين هو الفوز”.

ويثير هذا التوجه سيلاً من الأسئلة مع اقتراب انتخابات منتصف الفترة الرئاسية:

إلى أي درجة يستطيع هؤلاء المستشارون استخدام هذه المعلومات العصبية لاستهداف الناخبين أو تغيير قراراتهم؟ وإذا كانوا بالبراعة التي يدَّعونها، فكيف يمكن أن نثق في أن قراراتنا السياسية نابعة من قناعاتنا فعلاً؟ بل كيف نضمن أن الديمقراطية نفسها ما زالت في أمان؟

حقائق لا يتكلم عنها أحد

قد تبدو عمليات مسح الدماغ والعين والوجه لاكتشاف الرغبات الدفينة شيئاً من أفلام الخيال العلمي حول مستقبل كئيب، ولكنها بالتأكيد تتفق مع تقليد سياسي عريق، وهو استهداف مشاعر الناخبين؛ فعلى مدى أكثر من عقد كانت الحملات الانتخابية تمسح قواعد البيانات بحثاً عن المعلومات الاستهلاكية -مثل الأغاني التي يفضل الناس الاستماع إليها، والمجلات التي يفضلون قراءتها- ومن ثم تستعين بخوارزميات حاسوبية لاستخدام هذه المعلومات في التقرب منهم؛ فإذا أظهرت الخوارزمية أن النساء متوسطات العمر من سائقات السيارات رباعية الدفع يملن إلى التصويت للجمهوريين، فمن المرجح أنهن سيتلقين رسائل من الحملة الانتخابية مصممة خصيصى لهذه المواصفات.

وترفع تقنيات القياسات الحيوية هذه المسائل إلى مستوى جديد؛ حيث يقول الخبراء إنهم قادرون على التوصل إلى الحقائق التي غالباً ما يعجز الناخبون عن التعبير عنها، أو يرفضونه. ويحلو لمستشاري علم الأعصاب الاستشهاد بعالم النفس دانييل كانيمان (الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد)؛ حيث يميز بين التفكير بالنظام 1 والتفكير بالنظام 2؛ فقد كتب أن: :”النظام 1 يعمل بشكل آلي وسريع، وبجهد قليل أو بدون جهد على الإطلاق، وبدون أي إحساس بالسيطرة الطوعية”، أما النظام 2 فيتضمن تفكيراً واعياً متعمداً، ويعمل بشكل أبطأ.

ويشرح رافال أوم (وهو عالم نفس بولندي يقول إن شركته نيوروم قدمت استشارات لحملات انتخابية في أوروبا والولايات المتحدة): “إن الجمع كان يركز من قبل على النظام 2”. وقد كرس أوم -على مدى العقد المنصرم- معظمَ جهوده في دراسة ميول وتغيرات النظام 1 لدى المستهلكين والناخبين، وهو أمر يعتقد أنه يعادل أهمية الاستماع إليهم بشكل مباشر، ويقول إن هذا قد انعكس إيجابياً على شركته؛ لأن زبائنه أعجبوا بالنتائج لدرجة جعلتهم يعودون إليه مراراً وتكراراً.

وقد بنى الكثير من رواد الاستشارات العصبية إستراتيجياتهم حول ما يسمى “مجموعات التركيز العصبية”؛ حيث يقوم التقنيون في هذه الدراسات -والتي قد تتضمن ما بين حوالي عشرة أشخاص إلى مائة شخص- بتركيب أقطاب التخطيط الكهربائي للدماغ على رؤوس المشاركين، ومن ثم يعرضون عليهم مقاطع فيديو للمرشح أو إعلانات الحملة، ثم تلتقط الأقطاب في أثناء المشاهدة النبضات الكهربائية، والتي تكشف -في كل ثانية- المناطق المفعَّلة في الدماغ.

يأمل الخبراء في أن يستطيعوا اكتشاف مشاعر الناخبين عن طريق إشارات لا يدركون حتى أنهم يصدرونها.
مصدر الصورة: إس إيه دي سي في للتسويق العصبي ود. جايمي رومانو ميكا

يقول جايمي رومانو ميكا (أخصائي الفيزيولوجيا العصبية من مكسيكو سيتي، والذي كانت شركته السابقة نيوروبوليتكا من أهم المزودين للخدمات المتعلقة بالدماغ) للحملات الانتخابية السياسية: “من الأشياء التي يمكننا أن نحللها هي عملية الانتباه”، وقد كان رومانو ميكا يضع الأقطاب على رأس المشارِك لكشف النشاط في التشكل الشبكي (وهو منطقة في جذع الدماغ تتتبع درجة اهتمام الشخص)؛ فإذا كان المشارك يشاهد إعلاناً سياسياً واشتد النشاط في تشكله الشبكي -بعد حوالي 15 ثانية مثلاً- فهذا يعني أن رسالة الإعلان قد لفتت انتباهه فعلياً في هذه اللحظة.

كما يقول رومانو ميكا إن هناك مناطق دماغية أخرى تُقدم دلالات هامة أيضاً؛ حيث إن النشاط الكهربائي في الجانب الأيسر من قشرة المخ يقترح بذل جهد كبير لمحاولة فهم الرسالة السياسية، أما النشاط المماثل في الجانب الأيمن فقد يكشف بالضبط عن اللحظة التي فُهم فيها معنى الرسالة، ويمكن للحملات الانتخابية -بمعلومات كهذه- أن تعدِّل الرسالة حتى يزيد تأثيرها؛ مثل وضع اللحظة الأكثر لفتاً للانتباه في المقدمة، أو إزالة الأجزاء التي يخف فيها انتباه المتابعين.

ولكن معظم مستشاري علم الأعصاب يقولون إن تصوير النشاط الدماغي لا يكفي وحده، على الرغم من أنه جزء هام من عالم علم الأعصاب السياسي؛ يقول رومانو ميكا: “يقدم لنا التخطيط الكهربائي للدماغ معلومات عامة جداً حول عملية اتخاذ القرار، ويقول البعض إن من الممكن باستخدام هذا التخطيط أن ننفذ إلى العقل البشري، ولكنني أعتقد أن هذا ليس ممكناً بعد”. كما يزعم بعض المستشارين أن هناك أدوات أقل ثمناً وأكثر وثوقية للحصول على المشاعر والرغبات الحقيقية للناخبين.

أقطاب في كل مكان

في الواقع، فإن التخطيط الكهربائي للدماغ قد أصبح مجرد أداة واحدة ضمن مجموعة متنوعة من القياسات الحيوية؛ حيث يستخدم رومانو ميكا أيضاً أنظمةً تتبع العين التي تعمل بالأشعة قرب الأشعة تحت الحمراء، بالإضافة إلى مجموعة من الأقطاب حول محجر العين، من أجل تتبع “الطَّرَفات” (أي الحركات الصغيرة للعين التي تشير إلى نقطة التركيز للمشاهد أثناء متابعة مادة دعائية للحملة الانتخابية)، كما تؤمِّن أقطاب أخرى تقديراً تقريبياً لمستوى تحفز المشاعر بقياس النشاط الكهربائي على سطح البشرة.

وليس من الممكن بالطبع تثبيت حزمة من الأقطاب على كل شخص يشاهد التلفاز أو يتصفح فيسبوك، ولكن هذا ليس ضرورياً؛ حيث إن نتائج التجارب المطبَّقة على مجموعات التركيز العصبية الصغيرة صالحة للاستخدام من أجل التأثير على الناخبين الذين لم يتعرضوا لهذه التجارب بأنفسهم؛ فإذا كشفت البيانات الحيوية مثلاً أن النساء الليبراليات فوق سن الخمسين يشعرن بالخوف عند رؤية إعلان حول الهجرة غير الشرعية، فحينئذ يمكن للحملات الانتخابية الراغبة في إثارة هذه المخاوف أن تبث هذه الرسالة إلى الملايين من أصحاب هذه المواصفات الديمغرافية والاجتماعية.

يقول أوم: “أنا أقيس التردد، ويمكنني أن أغير رأيك فقط إذا كنت متردداً فيه، أما إذا كنت مقتنعاً به فلا أستطيع تغيير شيء”.
مصدر الصورة: دميتري كوستيوكوف

لا تتطلب طريقة بوكوفي في مختبر أبحاث المشاعر أكثر من برنامج تشغيل للفيديو وكاميرا ويب أمامية، وعندما يسجل المتطوعون في مجموعات التركيز السياسية الخاصة بها على الإنترنت، فإنها تُرسل إليهم مقاطع فيديو لإعلان انتخابي أو لمرشحٍ ما، بحيث يشاهدونها على الحاسوب المحمول أو الهاتف، ثم تقوم بتتبع حركة الأعين والتغيرات الخفيفة في تعابير الوجه في أثناء مشاهدتهم للمحتوى.

تقول بوكوفي: “لقد قمنا بتطوير خوارزمية لقراءة التعابير الدقيقة في الوجه، واستنتاج المشاعر التي يشعر بها صاحب الوجه في الزمن الحقيقي، وكثيراً ما يقول لك الشخص إنه (يشعر بالقلق حول المسألة الاقتصادية). ولكن ما المسائل التي قد تحرك مشاعرك فعلياً؟ بحسب خبرتي فهي ليست المسائل الكبيرة والهامة، بل الأشياء الصغيرة والقريبة منك”. وتتابع قائلةً إن شيئاً تافهاً مثل حاجب مشعث فوق عينَي المرشح قد يغير من إحساسنا تجاهه، حتى دون أن ندرك هذا.

كما تقول بوكوفي إن برنامجها لتحليل تعابير الوجه قادر على كشف وقياس “ستة مشاعر أساسية، و101 من المشاعر الثانوية، وثمانية أنواع من المزاج”، وجميع هذه الأمور تهم الحملات الانتخابية الراغبة في معرفة استجابة الناس للرسائل الانتخابية والمرشحين، كما تقدم أيضاً خدمة لتحليل الجمهور من أجل تتبُّع ردود الفعل العاطفية لكل وجه في مجموعة كبيرة من الناس؛ مما يعني أن الحملات الانتخابية قادرة على قياس مشاعر قاعة كاملة في أثناء إلقاء المرشح لخطابه.

وقد بُنيَ البرنامج المستخدم في مختبر أبحاث المشاعر على أساس نظام ترميز حركات الوجه (اختصاراً: فاكس FACS) الذي طوره بول إيكمان (وهو عالم نفس أميركي شهير)؛ حيث تُفكِّك خوارزمية بوكوفي كل صورة وجهية من كاميرا الويب إلى أكثر من 50 “وحدة حركية” (أي حركات مجموعات عضلية معينة)، وتتوافق كل مجموعة من الوحدات الحركية مع مشاعر محددة؛ فمثلًا تقلص عضلات الوجنتين والعضلات الخارجية للشفتين في نفس الوقت يكشف عن السعادة، في حين أن إخفاض الحاجبين ورفع الجفنين العلويين يعنيان الغضب. وقد درَّبت بوكوفي نظامها على التعرف على كل شعور من هذه المشاعر عن طريق تلقيمه عدداً كبيراً من الصور المرجعية من قاعدة بيانات كبيرة من الوجوه المعبِّرة عن هذا الشعور تحديداً.

ويقول بعض منتقدي نظام إيكمان (مثل عالمة الأعصاب ليزا فيلدمان برات) إن تعابير الوجه لا تعبر بالضرورة عن الحالات العاطفية، لكن هناك مجموعة متنوعة من الدراسات تكشف وجود نسبة من الارتباط على الأقل؛ فقد حدد علماء الإدراك (في دراسة من 2014 في جامعة أوهايو الحكومية) 21 “شعوراً مميزاً” بناء على حركات عضلات الوجه التي يستخدمها معظمنا باستمرار.

وتقول بوكوفي إن أسلوبها في المسح يمكن أن يُستخدم أيضاً كأداة لتحسين صورة المرشحين أنفسهم؛ حيث تقوم بتحليل مقاطع فيديو للمرشحين حتى تشير بدقة إلى اللحظات التي تثير فيها تعابيرهم عند الناخبين الشعورَ بالارتباك أو الاشمئزاز أو الغضب، كما يمكن للسياسيين استخدام هذه المعلومات في التدرب على اعتماد مقاربة عاطفية مختلفة، والتي يمكن تدقيقها أيضاً باستخدام منصة بوكوفي، حتى الوصول إلى مستوى الاستجابة المرغوبة عند المشاهدين.

وفي إحدى الحملات الانتخابية التي كانت بوكوفي تقدِّم الاستشارات لها، كان المرشح يسجل إعلاناً انتخابياً برسالة مشجعة وإيجابية، ولكن ردود الأفعال في المشاهدات الاختبارية كانت مريعة، وقد ظل الأداء الضعيف لهذا الإعلان لغزاً محيراً حتى قامت بوكوفي بتحليل وجه المرشح في الإعلان، ووجدت أنه كان يعبِّر -دون قصد- عن الغضب والاشمئزاز، وما أن أدرك المرشح ما يحدث حتى أصبح قادراً على تعديل أسلوبه من أجل الحصول على ردة فعل أفضل من الجمهور.

وقد بدأ المتحمسون السابقون لأساليب مسح الدماغ وتحليله في البحث حالياً عن أساليب أبسط وأقل تكلفة؛ حيث يقول أوم إن الزبائن الدوليين كانوا أكثر استعداداً -قبل الأزمة المالية في 2008- لدفع تكاليف سفر خمسة أشخاص من بولندا من أجل إجراء دراسات دماغية مباشرة، ولكن العمل خفَّ إلى درجة كبيرة بعد الكساد؛ وهذا هو ما دفع بأوم إلى تطوير إستراتيجية مختلفة، غير مقيدة بالوقت أو المكان أو أقطاب التخطيط الكهربائي للدماغ؛ فاستوحى طريقة جديدة من أساليب دراسة التحيُّز في اللاوعي للمتخصص في علم النفس الاجتماعي أنتوني جرينوالد، الذي أصبح مشرفاً عندما زار أوم الولايات المتحدة في إطار منحة فولبرايت. ويقول أوم إن اختباره الذي يعتمد على الهاتف الذكي -والذي أطلق عليه اسم آيكود- يكشف الميول السياسية الخفية التي قد لا تظهر في الاستبيانات التقليدية لمجموعات التركيز.

ويبدأ المشاركون في استبيان أوم بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة القياسية لتقييم زمن الاستجابة الأساسي لديهم؛ حيث من الممكن مثلاً أن تبلغ “واحدة الزمن” عند شخص بطيء الاستجابة 585 ميلي ثانية، في حين قد يستغرق شخص أسرع 387 ميلي ثانية، ثم يتم بعد ذلك عرض صور السياسيين على الشاشة، مع إرفاق كل منها بصفة واحدة مثل “جدير بالثقة”، أو “معروف”، أو “يشاركني في قيمي الأخلاقية”، وينقر المشاركون على “نعم” أو “لا” للدلالة على موافقتهم أو عدم موافقتهم على كل اقتران بين الصورة والصفة، ومع استمرار الاختبار يتتبًّع التطبيق الإجابات وسرعة لمس الشاشة ونمط النقر الذي يتبعه المشارك.

يقول أوم إن الإجابات التي يقدمها المشاركون لا تثير الاهتمام بقدر تردُّدهم قبل الإجابة؛ ويوضح ذلك قائلًا: “إن بإمكاننا -عندما نقيس مستوى التردد- أن نرى أن بعض الإجابات (إيجابي ولكن بوجود شيء من التردد)، وأن بعضها الآخر (إيجابي وآنيٌّ)؛ أي أننا نقيس مدى الابتعاد عن زمن الاستجابة الأساسي، وفي هذا الفرق يكمن السر”.

وقد رفض أوم أن يتحدث عن زبائنه السياسيين الحاليين بالتفصيل، ونبَّهنا إلى أنه يحترم تعهدات السرية بينه وبينهم، ولكنه قال إنه توقَّعَ هزيمة هيلاري كلينتون في 2016 قبل الانتخابات إثر أحد استبيانات آيكود، والذي تضمن تقريباً 900 مشارك. وكانت كلينتون متقدمة على ترامب بفارق مريح في استطلاعات الرأي التقليدية على مدى العام، ولكن عندما سأل أوم المشاركين ما إذا كانت هيلاري كلينتون تشاركهم في قيمهم الأخلاقية، كانوا في أغلب الأحيان يتردَّدون في الإجابة لفترة طويلة بشكل غير مألوف، وكان أوم يعرف أن وجود قيم أخلاقية مشتركة هو من العوامل الكبيرة التي تحفِّز الناس إلى التصويت في 2016 (كانت المفاهيم الهامة في انتخابات سابقة هي “القوة” و”القيادة”)؛ وبالتالي أدت به نتائج هذا الاختبار إلى شكوك كبيرة حول فوز كلينتون، وهو يقول إنه كان بإمكان حملتها -لو اعتمدت على إحدى دراساته قبل الانتخابات- أن تفهم نقطة الضعف عندها، وأن تُجري التغييرات اللازمة.

ويدعي أوم أنه ساعد مرشحَين آخرين لتجاوز مصاعب مماثلة؛ فقد كشفت إحدى اختباراته أن الكثير من مناصري أحد الزبائن الأوروبيين -والذي كان يتمتع بقاعدة شعبية جيدة- لم يشعروا بضرورة التصويت؛ لأنهم افترضوا أن مرشحهم سيفوز بشكل مؤكد؛ فقامت حملته -بعد الحصول على هذه المعلومة- بتجديد تشجيعها للقاعدة الشعبية، ودفع المؤيدين للذهاب إلى صناديق الاقتراع؛ وكانت النتيجة فوز هذا المرشح، وإن بفارق بسيط.

أكبر الأكاذيب في الحياة

ورغم كل هذا نتساءل: هل يستطيع فعلاً قياس ردات الفعل العفوية للناس (تجاه إعلان تلفزيوني أو خطاب انتخابي) أن يقول لنا من سيفوز بأصواتهم في النهاية؟ يقول دارين شرايبر (وهو بروفيسور في العلوم السياسية في جامعة إكسيتر، ومؤلف كتاب “Your Brain Is Built for Politics (دماغك مصنوع للتعامل مع السياسة)”: “إن من غير الممكن -من الناحية التطبيقية- التفريق بدقة بين الدعاية الحماسية والواقع، ومن السهل أن نبالغ في تقدير إمكانيات هذه الأدوات”، ومن الجدير بالذكر أن الاختبارات الإدراكية قد أعطت حتى الآن نتائج غير متسقة، كما توجد العديد من الدراسات المتباينة التي أعطت نتائج متضاربة حول إمكانية توقع نتائج التصويت اعتماداً على السلوكيات الضمنية.

لكن شرايبر (الذي أجرى بدوره اختبارات تخطيط دماغي للسلوكيات السياسية) يعترف -على الرغم من هذا- بأن هذه التقنيات تثير القلق؛ حيث تفترض الديمقراطية وجود فاعلين عاقلين، وقادرين على استيعاب المعلومات من جميع الجهات، والتوصل إلى استنتاجات منطقية، ولكن إذا كان مستشارو علم الأعصاب بنصف البراعة التي ينسبونها لأنفسهم فقط، فسوف يصبح افتراض الديمقراطية هذا موضع شك؛ يقول شرايبر: “إننا معرَّضون إلى الكثير من التأثيرات وبطرق متعددة، وبدون أن ندرك ذلك؛ حيث إن إمكانية التلاعب في السلوكيات بأساليب غير محسوسة ستؤثر على الخطاب السياسي إلى حد بعيد”، وإذا كانت الحملات الانتخابية تعمل على دفع الناخبين نحو التصويت لمرشحيها دون علم هؤلاء الناخبين، فإن النقاشات السياسية التي كانت فيما مضى تبادلاً لوجهات النظر العاقلة ستتحول إلى اشتباكات غرائزية بعيدة عن جوهر الديمقراطية، ويقول شرايبر: “لا أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة الإصابة بالذعر، ولكن الوضع لم يعد يحتمل التفاؤل الساذج”.

ويصرُّ أوم على أن الناخبين قادرون على حماية أنفسهم من تكتيكات مستشاري علم الأعصاب إذا كانوا يتمتعون بما يكفي من الذكاء، ويقول: ” أنا أقيس التردد، ويمكنني أن أغير رأيك فقط إذا كنت متردداً فيه، أما إذا كنت مقتنعاً به فلا أستطيع تغيير شيء؛ فيجب إذن أن تزيد من معلوماتك إذا كنت خائفاً من التعرض إلى التلاعب؛ فكلما تعلمت أكثر أصبحتْ سلوكياتك أكثر رسوخاً واستقراراً، وأصبح من الصعب على الآخرين تغيير رأيك”.

وهذه النصيحة منطقية تماماً، لكن ما زال لدي بعض التساؤلات؛ فقد سجلت دخولي في مختبر أبحاث المشاعر بعد لقائي مع بوكوفي؛ من أجل أن يقوم برنامجه بتتبع تعابير وجهي أثناء مشاهدة مقطع فيديو تجريبي، وكان المقطع لطفل ضاحك، وشعرت بزوايا فمي ترتفع نحو الأعلى، وسألني البرنامج بعد ذلك عن إحساسي أثناء المشاهدة، ونقرت على إجابة “السعادة”؛ فأنا أم وأحب الأطفال بطبيعة الحال! لكنني صُدمت عندما رأيت نتيجة تحليل المشاعر تكاد لا تظهر أي أثر من السعادة على وجهي.

وقد أدركت -بعد أن فكرت ملياً في النتائج- أن برنامج تحليل المشاعر كان محقاً؛ فأنا لم أكن سعيدة فعلياً على الإطلاق، فقد أجريت الاختبار في ساعة متأخرة من الليل، وكنت أشعر بالإرهاق، وقد نظر الحاسوب إليَّ بطريقةٍ لم أعتد على النظر بها إلى نفسي، وحينئذ تذكرت ما قاله لي دان هيل (المستشار السابق لحملة الرئيس المكسيكي)، وهو أن “أكبر الأكاذيب في الحياة هي التي نخبرها لأنفسنا”.

المزيد من المقالات حول قضايا منوعة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!